محمد ابو زهره

1068

خاتم النبيين ( ص )

هذا هو الميدان الأول لجهاد النبي صلي اللّه تعالى عليه وسلم . أما الميدان الثاني فهو تربية المؤمنين وتعليمهم أحكام الدين ، وبيان الشريعة الإسلامية ، وتنظيم المجتمع على أساس العدل والفضيلة ومكارم الأخلاق ، وهو ميدان الرسالة المحمدية ، وهو غايتها ومقصدها ، وما كان القتال إلا لحماية الدعوة الإسلامية ، وتوصيلها للقلوب والمجتمعات ، الآحاد والجماعات . وإنه في أثناء اللقاآت الحربية كانت المبادئ الإسلامية تسري إلي النفوس وسط صليل السيوف ، فكانت تصل إلي القلوب ، والمقاتل متأثر بالمقاتل مأخوذ به ، وخصوصا إذا رأوا من خوارق العادات ، ما لا عهد لهم به ، لقد كانت غزوة الأحزاب من قبائل متفرقة ، ورأوا عيانا أن الهزيمة لم تكن بسيف ولا بقوة ، ولكن بريح عاصف اقتلع أخبيتهم وألقي الفزع والذعر في نفوسهم ، وأمامهم رجل يقول إنه رسول من عند اللّه سبحانه وتعالي ، فهلا يفتح ذلك قلوبا مغلقة ، وآذانا تستمع إلي صوت الحق ، إنهم لا بد أن يعودوا إلي أقوامهم ، ويذكروا لهم ما عاينوا أو شاهدوا ، وما رأوا بعين البصر ، وإن ذلك لا بد أن يصل شئ منه إلي البصيرة . ولقد كانت غزوة الخندق آخر الغزوات التي غزتها قريش للمدينة المنورة ، وقد استيأسوا من بعد ذلك وعلموا أن محمدا صلى اللّه تعالى عليه وسلم غير مخذول ، وأن أحجارهم التي لا تسمع ولا تبصر ، ولا تضر ولا تنفع ، ولا تغني عنهم ، حتى أخذ بعض عقلائهم يدركون ما هم فيه من ضلال ، وأنه لا بد لهم من أن يسمعوا صوت العقل والضمير ، وقد بدا ذلك في بعض كبرائهم كما أشرنا . الحديبية : 708 - كانت الحديبية خطوة للدعاية إلى الإسلام من النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، فقد ذهب إلي مكة المكرمة بجيش عدته نحو خمسمائة وألف أو يزيدون وما ذهب ليقتلع مكة المكرمة ، كما كانوا يذهبون إلي المدينة المنورة ، بل ذهب ليقيم شعائر اللّه تعالي ، ولتعظيم البيت ، وعلى ألا يسألوه خطة فيها تعظيم البيت إلا سلكها . وقد تم عقد الاتفاق علي مدة عشر سنين ، لا يقاتلهم ، وعلي أن يعود من عامه هذا ، وقد سمي اللّه تعالى ذلك فتحا مبينا . وإنه حقا كان فتحا للإسلام ، فقد لانت قلوب كانت مستعصية ، وتفتحت آذان كان فيها وقر عن سماع الحق ، فإذا كانت لم تفتح إلا آجلا ، فقد فتحت القلوب نور هذه المدينة ، وكان من قريش أنفسهم من يتجه إلي الإسلام ويتعرف غاياته ، ومراميه ، وأنه الحق والعقل ، وملة إبراهيم عليه السلام والقبائل التي كانت ترى أمارات النبوة ، ولكن تنتظر قريشا ، ورأيها في محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم - أخذت