محمد ابو زهره
1054
خاتم النبيين ( ص )
وامتازت أيضا هذه الغزوة بأن ظهر التخاذل في أولها ، حتى كان التثاقل ، وبث الظنون في المسلمين من المنافقين ، وضعاف الإيمان ، ثم فيها بيان حال الذين ينتحلون الأعذار ولا عذر لهم ، وحال الذين يستأذنون في التخلف ، فيؤذن لهم أو لا يؤذن ، وفيها عمل التخذيل في جيوش الحق من أين تجيء ، وإلى أين تتجه . وإذا كانت غزوة تبوك آخر الغزوات المحمدية ففيها العبر التي توجب على كل جيش أن يتعرفها ، ويأخذ بعظاتها ، حتى يكون الجيش الإسلامي قويا ، قد تجنب أسباب الخور وأسباب التردد والهزيمة ، والتخاذل ، والآفات التي تعترى الجيوش من أهل التردد والنفاق ، وما يحدثه من تخاذل . وقد كانت سورة براءة وعاء هذه التجارب النبوية في تلك الغزوة التي لم تشتمل على قتال ، ولكن كشفت فيها النفوس كشفا ، وابتلى فيها المؤمنون بالنفاق ، والتثاقل ودعاة الخذلان ، وكيف عالج محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم تلك الأحوال بهداية ربه . وإذا كان الجهاد ماضيا إلى يوم القيامة ، فقد كانت سورة براءة تصويرا للآفات التي تعترى الجيوش في تكوينها ، وفي سيرها ، وفي الاتجاه إلى غايتها من غير التواء . ولقد بينت نفوس المترددين ، وعدم إيمانهم بالحق الذي يؤيدونه ، وفيها بيان للمجاهدين المعتز بهم وأول الآفات عدم العزيمة الموجهة المدافعة ، والتثاقل عندما يحق الجهاد ، وقد قال تعالى في ذلك : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ، أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ . إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً ، وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها ، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا ، وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( التوبة ) وتستمر الآيات الكريمة السامية في بث الهمم ودفع العزائم ، لأن تكوين الجيش يكون بإيجاد دفعة قوية عازمة ، والاستعداد لتحمل المكاره والوثوق بتأييد اللّه تعالى إن خلصت النيات ، واستحصدت العزائم . ولقد بين سبحانه وتعالى بالإشارة السبب في تثاقل حركتهم وهو توقع المشقة ، وإن توقع المشقة يجب أن يكون في تقدير المجاهد ، وعزمه الحديد .