محمد ابو زهره

1050

خاتم النبيين ( ص )

وإن هذه الرواية تدل على أنها لم تكن قد نزلت كلها ، أو حملت كلها بل حمل منها ثلاثون آية تنتهى بقوله تعالى عن أهل الكتاب : يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ ، أو أربعون آية تنتهى بقوله : انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا ، وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . هذا ما رواه ابن كثير ، أما ما ذكره ابن إسحاق فإن ظاهره أن السورة كلها أنزلت عقب تبوك وحملها علي بن أبي طالب ليتلوها على الناس ، ويبين ما يتعلق بالحج . ويقول في ذلك ابن إسحاق : نزلت براءة في نقض ما بين رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم ألا يصد عن البيت أحد جاءه ، ولا يخاف أحد في الشهر الحرام . وكان ذلك عهدا على ما بينه وبين الناس من أهل الشرك ، وكانت بين ذلك عهود بين رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم وبين قبائل العرب خصائص إلى آجال مسماة فنزلت فيه ، وفيمن تخلف من المنافقين عنه في غزوة تبوك ، وفي قول من قال منهم ، فكشف اللّه تعالى فيها سرائر أقوام كانوا يستخفون بغير ما يظهرون ، وظاهر هذا الكلام أن سورة براءة كلها نزلت عقب غزوة تبوك ، وأن نصوصها السامية كلها تؤكد هذا المعنى وتوضحه ، فهي كما رأينا عند الدعوة إليها تتبين فيها حال مؤمنهم ومنافقهم في هذه الغزوة عندما دعا النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم إليها ، وحال المخلفين ، وأعذار المستضعفين ، وما ينبغي أن يكون بالنسبة للجهاد . وإننا إذا تركنا ظواهر هذه الرواية فإنا نقول : إنها نزلت كلها عقب غزوة تبوك ، ولكن ما يحمل النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم عليا ، إلا ببعض من أولها - الذي فيه منع المشركين من البيت الحرام ، وصدهم عنه ، لأنه لا يعمر مساجد اللّه إلا من آمن باللّه واليوم الآخر ، وذلك ما صرح به ابن إسحاق إمام السيرة ، فقد قال رضى اللّه عنه : ولأن ذلك كان يشتمل على ما كلف عليا أن يبلغه ، وهي الأمور التي ذكرناها آنفا . وعبارات ابن إسحاق بعد تعميمه الأول تفيد تخصيصا بأول سورة براءة . فقد قال : « دعا عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب رضوان اللّه تعالى عليه ، فقال له اخرج بهذه القصة من صدر براءة ، وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى ، أنه لا يدخل الكعبة المشرفة كافر ولا يحج بعد هذا العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عند رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم عهد ، فهو إلى مدته . وهذا النص يدل على أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم حمله صدر سورة براءة ، ولم يحمله السورة كلها .