محمد ابو زهره

1041

خاتم النبيين ( ص )

وقد رويت عنه روايات في قضائه دالة على نفاذ بصيرته ، وانفتاق عقله الذي هو قبسة من الهدى المحمدي ، إذ رضع لبان هذه الهداية صغيرا ، وتربى عليها ، ونزح بدلو المعرفة من أعظم ينبوع لها : وقد ذكرت له مسائل في القضاء هداه الله تعالى إليها ، فقد كان يحاول الوصول إلى الحقيقة . خصوصا في الأنساب ، فلا يترك من ولدا من حلال من غير أب . تنازع اثنان في نسب ولد ، ولم يكن لأي واحد منهما دليل ، وكان المنتظر أن يتهاتر الادعاآن ، ولا يكون للولد نسب ، فلما لم يجد سبيلا أقرع بينهما ، وحكم بالنسب لمن تحكم له القرعة ، وعليه أن يدفع الدية للآخر ، وبهذا أنصف الرجلين ولم يهدر نسب الولد ، وبهذا أخبر الإمام أحمد عن علي ، وقد أفرد عن غيره بهذا الرأي ، وروى عن علي كرم اللّه وجهه قضاء في مسألة معقدة ، وانتهى فيها إلى حكم ، لا يزال موضع إعجاب رجال القضاء إلى اليوم . روى الإمام أحمد أن قوما كان يغير عليهم أسد ، فبنوا له زبية ( مكانا يتردى فيه ) فتدافع الناس فسقط رجل ، فتعلق به آخر ، ثم تعلق بالآخر ثالث ، وتعلق بالثالث رابع ، وقد جرحهم جميعا الأسد وماتوا . فجاء أولياء المقتولين ، وهموا بأن يقتتلوا . فقال لهم إمام الهدى بعد النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، أتريدون أن تتقاتلوا ورسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم حي ، إني أقضى بينكم قضاء إن رضيتم به ، فهو القضاء ، وإلا أحجز بعضكم عن بعض ، حتى تأتوا رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ليكون هو الذي يقضى بينكم فمن عدا بعد هذا فلا حق له . كان قضاء على في القضية ، يسير على مبدأين : أحدهما أنه لا يبطل دم في الإسلام ، وذلك مبدأ مقرر روى بعبارته عن علي كرم اللّه وجهه في الجنة . الثاني - أن العجماء جبار ، أي ما تجنى الدواب لا غرامة فيها إلا أن يكون صاحبها المتسبب فيغرم هو الدية كلها أو بعضها . ونجد أن الأول تسبب في هلاك الثلاثة بعد ، وقد تمكن السبع من الجميع بترديه أولا ، ثم تعلقه بالثاني والثاني بالثالث والثالث بالرابع . وكانت الدية واجبة كاملة لهم جميعا بناء على القاعدة الأولى ، ولكن ليستنزل من دية كل واحدة دية من تسبب في قتله ، وقد تسبب في قتل ثلاثة ، فيأخذ ربعا ، بإسقاط ثلاثة أرباع لمن تسبب في قتلهم ، فهو السبب في قتل ثلاثة . والثاني تسبب في قتل اثنين ، فينقص من ديته الثلثان ، فيكون له الثلث ، والثالث ، تسبب في قتل الرابع ، فيخصم من ديته النصف ، والرابع ، وهو الذي سقط أخيرا لم يتسبب في قتل أحد ، فلا يخصم من