محمد ابو زهره

1030

خاتم النبيين ( ص )

وقد أدرك العزة العربية في الدعوة المحمدية أولئك الذين يتاخمون الزومان عندما التقي بهم في مؤتة ، ولكنهم لما أدركوا أن العزة في الأخوة المحمدية لم يعاونوهم في تبوك ، فلم يريدوا لقاء جيش الإسلام بعد أن أعدوا العدة ، وعينوا المدة ، فكان ذلك إشارة للعربي الحر ، ( وكلهم أحرار ) إلي موطن عزته ، ومكان رفعته . لذلك أخذ الإسلام يدخل في الصدور ، وقد فتحت له الأبواب ، في القبائل المتاخمة للرومان في الشمال وفي الجنوب كله ، وخصوصا ما تاخم الفرس وكان للفرس فيه نفوذ ، فوجد التخلص من هذا النفوذ المذل ، بالإسلام . وأن النبي صلي اللّه تعالي عليه وسلم لم يترك الأمر لتلك المنازع وحدها ، بل كان يرسل الرسل معلمين لهم والبعوث في السرايا ، فما كان رجال السرايا كما ذكرنا إلا رجال تعليم ودعوة ، ولكن لأنهم يجتازون صحراء ويلقون ناسا غلاظا شدادا ، كان لا بد أن يكونوا من أهل الحرب ، والعلم معا ، فكانوا يحملون علم محمد صلي اللّه تعالي عليه وسلم ، أو بالأحري بعض علمه ، ويحملون مع ذلك سيفه ، فهم يجاهدون بالأمرين والوقائع تعين استعمال أحدهما : وإن الرسل كثيرون ، والسرايا أقل من الرسل . وقد ابتدأت الرسل إلى الملوك والأمراء ، سواء في ذلك العرب وغيرهم فكتب النبي صلى اللّه تعالي عليه وسلم كما ذكرنا إلي قيصر الروم ، وكسري الفرس ، ومقوقس مصر ، ونجاشي الحبشة ، كما أرسلت إلى أمراء اليمن وحضرموت ، ونجران ، وكثيرون من أولئك أجابوا بأن طلبوا من يعلمهم الإسلام ، لأنهم استجابوا له ، وأبقاهم النبي صلي اللّه تعالى عليه وسلم علي ما تحت أيديهم ، وكذلك منهم من أوفد وفودا بالمبايعة علي الإسلام . ولو وازنت بين أثر هذه الكتب في العرب ، وأثرها في غير العرب ، كهرقل وكسري لوجدت أن أثرها في الأمراء العرب كان إيجابيا بالاستجابة وعدم المخالفة ، وأما أثرها في غيرهم ، فإن استثنيت النجاشي الذي أسلم فإنا نجد الباقين أجابوا بالرفض في عنف أو رفق فهو رفض في الحالين . وإن السرايا كانت كما أشرنا دعاة إلي الحق ، ولنذكر خبرين يثبتان مقدار عناية النبي صلي اللّه تعالي عليه وسلم بالدعوة ، وهما خبر إرسال معاذ بن جبل وعلي بن أبي طالب ، وكلاهما كان من علماء الصحابة بالإسلام ، وإذا كان معاذ قد اشتهر بالعلم وفقه الإسلام ، فعلي المجاهد المحارب ، اشتهر بالعلم وفقه الإسلام ، حتى قيل إن النبي صلي اللّه تعالي عليه وسلم قال : « أنا مدينة العلم ، وعلي بابها » واشتهر من بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام بالفقه والقضاء معا . حتى إن عمر رضى اللّه تعالى عنه في إمارته كان إذا مسألة تعقدت قال مسألة ولا أبا حسن لها ، لأنه قوي العلم والفقه والإدراك .