محمد ابو زهره

984

خاتم النبيين ( ص )

وروى أن ثقيفا ، قد اشترط وفدها أن لا صدقة عليه ولا جهاد فقال النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « سيتصدقون ويجاهدون » . ويظهر أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم لم يظهر ذلك الشرط ، أو لم يظهر إجابته انتظارا لما يكون بعد إسلامهم . ويروى أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أراد أن يا بنى مسجدا ، حيث كان طاغيتهم ( اللات ) . 659 - ذكرنا أحوال وفد ثقيف مع طوله ، لأن فيه بيانا لأحوال النفوس وكيف تعالج ، إنهم قوم أشداء غلاظ ، فإنه يتبين من حديثهم كيف تسيطر الأوهام عند نقص المدارك ، لقد هدمت كل الأوثان في مكة المكرمة ، فما رأينا من قريش ما ظهر من ثقيف عندما هدمت اللات أو الطاغية كما يسمونها ، وكيف كانوا يعتقدون أن من يهدمها يسقط ، وكيف تعابث بهم المغيرة ، فأسقط نفسه عند ضرب أول ضربة فصاحوا ثم كان الهادم هو خالد بن الوليد القرشي الذي كان حديث عهد بالجاهلية . أثبتت القصة كيف تستولى الأهواء والشهوات على النفوس غير المؤمنة ، حتى إنهم ليطلبون منه إباحة الزنا والخمر ، والربا ، وقد ردهم النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم . وما أشبه أجلاف ثقيف بالمسلمين العصريين المجددين الآن الذين يستبيحون الربا ، ويعاضدهم بعض الذين يتسربلون سربال العلماء ، وكانوا يحفظون القرآن الكريم ، ويستبيحون الزنا أحيانا باسم المتعة وأحيانا باسمه الصريح ، ويعدونه تقدما ، ويستبيحون الخمر جهارا نهارا . وبين أيدي الذين أباحوا المتعة عندما طلبوا إباحة الزنا لأجل اغترابهم ، فكان النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم يشير إليهم بالمتعة ، لو كانت مباحة ، كما يقول أولئك المتفلسفة الذين يريدونها لأغراب التلاميذ ولا حول ولا قوة الا باللّه . وهناك أمر تربوى رائع ، وهو علاج كنانة بن عبد ياليل لشماس ثقيف إذ أنه أخفى إسلامه وصحبه وطلب إليهم الاستعداد للحرب ، ففكروا مليا ، وطلبوا هم التسليم للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم . ولو أظهر إسلامه ومن معه ابتداء ، ليقتلوهم كما قتلوا عروة بن مسعود ، إن الأمر إذا عرض مقررا قاطعا ، قاومته النفوس المشاكسة الشامسة ، لأن من طبيعة هذا النوع من النفوس أن ترد ما يعرض عليها على أمر لا بد منه إذ ليسوا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، فاتبع كنانة بن عبد ياليل طريق التمهيد للأمر الذي قرره ، حتى يطلبوه هم ، فلا يكون مفروضا عليهم ، بل يكون استجابة لما في نفوسهم . وننبه هنا إلى أن بعض الروايات ذكرت أن ثقيفا عرضت الأمر على أبى بكر ، في حجته ، ولكن نجد السياق التاريخي لا يؤيد هذا ، ذلك أن ابن إسحاق يقول : إن وفد ثقيف كان في رمضان . فبينهما زمن ، وحج أبى بكر متأخر عن رمضان ، واللّه أعلم .