محمد ابو زهره

978

خاتم النبيين ( ص )

ويقول في ذلك ابن كثير : فيجب التمييز بين السابق من هؤلاء الوافدين زمن الفتح ممن يعد وفوده هجرة ، وبين اللاحق لهم بعد الفتح ممن وعد اللّه تعالى خيرا وحسنى ، ولكن ليس في ذلك كالسابق له في الزمان والفضيلة . ونحن نرى أن الفتح الذي جاء به القرآن الكريم كان سنة ست بصلح الحديبية لأن اللّه تعالى سمى صلح الحديبية فتحا ، وقد كان كذلك ، لأنه فرق بين قوة الحرب وقوة السلام ، وقد دخل الناس بعد صلح الحديبية أفواجا في الإسلام ، والذين كانوا قبل صلح الحديبية هم الذين قرر اللّه تعالى في كتابه الكريم ، أنهم الذين رضى عنهم ورضوا عنه في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ، فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ ، فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ( الفتح : 10 ) . وقال سبحانه وتعالى : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ ، فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ، وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ( الفتح : 18 ) . هؤلاء هم الذين أنفقوا من قبل الفتح ، ومن جاء بعدهم ليس مثلهم ، فليس عمرو بن العاص كعلى بن أبي طالب ، وطلحة بن عبيد اللّه والزبير بن العوام ، وأبى عبيدة عامر بن الجراح ، وغيرهم ، هؤلاء هم الذين سبقوا بالحسنى وقاموا مع النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بالجهاد والإسلام غريب ، وكان من بعد ذلك عموم الدخول في الإسلام ، ولذلك كان الذين أسلموا بعد الحديبية والفتح أضعاف الذين أسلموا من قبل . وفد مزينة 656 - جاء هذا الوفد عند الحديبية وقبل الفتح ، ومجيئه في ذلك الوقت يدل على أن دخول الناس في دين اللّه أفواجا كان بعد الحديبية ، وامتد إلى ما بعد فتح مكة المكرمة وتبوك . روى أن أول وفد من مضر كان وفد مزينة بأربعمائة من مضر ، وروى أن ذلك في رجب سنة خمس ، وقد جاؤوا مهاجرين ، وقالوا إن أول من وفد من مزينة خزاعي بن عبد سهم ، ومعه عشرة من قومه ، فبايع رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم على إسلام قومه ، ولما رجع إليهم لم يجدهم كما ظن فيهم إذ تأخروا عنه . ويظهر أن أولئك الأربعمائة جاؤوا بعد أن فشا الإسلام فيه ، وبعد أن أغلق باب الهجرة إلى المدينة المنورة ، وأريد أن يعمر الإسلام البلاد العربية كلها ، فقال : « أنتم مهاجرون حيث كنتم فارجعوا إلى أموالكم » .