محمد ابو زهره
971
خاتم النبيين ( ص )
وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ، فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ، فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ . يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( التوبة - 93 : 96 ) . عندما دخل النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم المدينة المنورة بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ، ثم جاء إليه المخلفون الذين تخلفوا لمرضهم وضعفهم ، والذين لا يجدون ما يحملهم ، فكان عذرهم باديا ، يسقط تكليفهم هذا الخروج الذي لا يكون إلا على أهل القوة والسلامة ، والذين يجدون ما ينفقون ، ولا ما يحملهم ، فاللّه تعالى قد أسقط عنهم الحرج بقوله تعالت كلماته : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ ( التوبة : 91 ) . والباقون القادرون الأغنياء تقدموا بالاعتذار للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وطفقوا إليه يعتذرون ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فقبل منهم رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ما أظهروه ، وكما يقول ابن إسحاق قبل علانيتهم ، وبايعهم ، ووكل سرائرهم إلى اللّه تعالى ، وهو يعلم أنه إن رضى عنهم ، لا يرضى عنهم اللّه سبحانه وتعالى ، ولكنه مأمور بألا يحكم إلا بالظاهر ، وإذا قبل الظاهر ، فقد يسيرون في تحسين الباطن . القسم الثالث - من أخلصوا دينهم للّه تعالى ، ولكنهم تخلفوا من غير معذرة ، ولم يرتضوا الكذب على النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وخير لهم أن يعترفوا بتقصيرهم عن أن يكذبوا على رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وهؤلاء ثلاثة ، لم يعدهم النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم إلا من أقوياء الإيمان ، ولكن غلب هواهم في القعود في ساعة التجهيز أو غلب فيهم ضعف وقتي ، وإحساس ببعد الشقة ، فرضوا أن يكونوا مع الخوالف ، ولكن فيهم قلوب ، لم يطبع عليها كأولئك الذين طبع اللّه على قلوبهم . لذلك كان لا بد من علاج نفسي لهذه القلوب التي لم ترن عليها روانى الإثم المقصود ، وإن كان تقصير فقد أدركوه ، وكان ذلك العلاج الذي رآه النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم : وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحى يوحى ، وذلك بالإعراض عنهم ، ومهاجرتهم ، وذلك لإيقاظ نفوسهم ، وتعويدهم الصبر ، وكانت هذه العقوبة تشبه الكفارة بالصوم ستين يوما متتابعة ، لأنها تكون تربية للنفس وتهذيبها ، لقد أعرض عنهم المؤمنون خمسين يوما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وضاقت عليهم أنفسهم ، وظنوا أن لا ملجأ من اللّه تعالى إلا إليه .