محمد ابو زهره

967

خاتم النبيين ( ص )

الطريق ، وإذا كان قد أراد الخائنون إخوانهم أن يرموا عليه حجرا ثقيلا وهو جالس بجوار جدار لهم ، فقد أراد الخائنون من المنافقين أن يطرحوه من فوق عقبة في الطريق ، ولكن اللّه تعالى أعلمه بما بيتوا في الثانية كما أعلمه في الأولى . لما بلغوا العقبة التي كان تدبيرهم الخبيث ومكرهم السيئ عندها ، فلما بلغها صلى اللّه تعالى عليه وسلم أمر الجند أن يسيروا في بطن الوادي ، وقال : من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادي ، فإنه أوسع لكم . وأخذ رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم العقبة ، وأخذ المسلمون وكل الجيش بطن الوادي إلا الذين ائتمروا ، وبيتوا الشر ، فقد أخذوا العقبة التي أخذها النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، لينفذوا ما مكروا به ، ومكروا مكرا ، ومكر اللّه تعالى مكرا ، واللّه خير الماكرين . لقد علم النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم مكرهم الخبيث . إن أولئك المنافقين لما علموا ذلك ، وما اتخذه النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم لنفسه من طريق استعدوا وتلثموا ، فأخفوا وجوههم لكيلا يعرفوا ، فعرفوا بذلك التلثم الذي أرادوا أن يستتروا به ، فكشفهم المسلمون به . لقد هموا بأمر عظيم ، وهو أن يطرحوا رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم من فوق العقبة . فأمر رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم أن يلازمه عمار بن ياسر ، وحذيفة بن اليمان ، وأن يمشيا أمامه ، على أن يأخذ عمار بن ياسر بزمام الناقة ، وأمر حذيفة بسوقها . وبينا رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم في سيره هو ومن معه ، أن سمعوا وكز أولئك الذين تامروا لركائبهم ، وتدفعها عليهم ، وقد أدرك النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ماذا يريدون حسا ، بعد أن علم بنياتهم من اللّه ، وقد ساروا وراءهم من غير أن يعلموا ، وظنوا أنهم مدركون ما يريدون . وأمر رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم حذيفة ، وهو الذي يسوق الدابة أن يردهم ، وأبصر حذيفة غضب رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وبدا ما يتوقعه عليه الصلاة والسلام من شرهم في وجهه ، فرجع حذيفة ، ومعه المجن . رآهم حذيفة ملثمين ، واستقبل وجوه رواحلهم فضربها في وجوهها بالمجن ضربا ، وأبصر القوم وهم ملثمون ، وظن أن ذلك فعل المسافر ، يتقى باللثام حر الشمس ، أو حرور الهواء ، ولكن المتامرين فزعوا واضطربوا بإفزاع اللّه تعالى لهم ، شأن من يريد جريمة ويشرع فيها إذ أنه يضطرب عندما يظن أن أمره قد كشف ، فيفزع من تتميمها ويتراجع .