محمد ابو زهره

952

خاتم النبيين ( ص )

وقت حر شديد ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم ما كان يبين للناس اتجاهه إذا خرج لحرب إلا في تبوك لبعد الشقة ، ولعظم المهمة ، وليستعد الناس لنوع من الجهاد شاق مرير ، في وقت شديد غليظ إذ كان الحر شديدا ، وكانوا يجمعون ثمار حرثهم ، وغلالهم ، وفي بعض البلاد جدب . وقد طابت ثمار الأرض التي أنتجت ، والإرادة المادية عندهم ربما تغالب النية المحتسبة عند بعضهم ، ولقد أخذ صلى اللّه تعالى عليه وسلم يختبر النفوس ، والغزوة كلها اختبار للمؤمنين ، وأن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ما اختار الزمان ، إنما اختارته له العناية الإلهية ، وإرادة الروم ، وقد خاطب النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بعض الرجال ليعرف ما في بعض النفوس ، قال للجد بن قيس : يا جد ، هل لك في جلاد بنى الأصفر ( يريد الروم ) . فأجاب إجابة المتردد ، غير المعتزم : « أو تأذن لي ولا تفتني ، فو اللّه لقد عرف أنه ما من رجل أشد عجبا بالنساء منى ، وإني أخشى إن رأيت نساء بنى الأصفر لا أصبر » . اعتذار بغلبة هوى النفس عنده على الجهاد ، وأنه لا يستطيع جهاد نفسه عن الإثم فهو ، يخشى الفتنة وأي فتنة أشد على الرجال من أن يكون عبد هواه ، وقد أذن له النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، لأنه لا جدوى في رجل لا إرادة له ، وإنما هي حرب ضروس تحتاج إلى صبر وجهاد نفسي ، فالوصول إلى العدو ليس سهلا ، والحر شديد ، واللقاء مع عدو كبير . وإن هذه الغزوة كان فيها الناس على أنواع شتى في نفوسهم . 1 - فمنهم من قعدت بهم همتهم ، فخلفوا عن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، واعتذروا بالمعاذير ، وهؤلاء يقولون مع المنافقين : وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ، قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ . فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ، وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( التوبة : 81 ، 82 ) وهؤلاء منهم ضعفاء الإيمان ومنهم ضعفاء العزيمة وليست لديهم قوة نفسية يتحملون بها الشدائد ، ولذلك كان فيهم جزع ، وخوف من الإقدام . 2 - ومنهم المنافقون الذين يثبطون ، ويريدون الفتنة ويبتغون تثبيط المؤمنين عن المجاهدين ، ويقول سبحانه وتعالى فيهم : لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ ، وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ، وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ ، يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ . لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ . إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ . وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ، وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ