محمد ابو زهره
950
خاتم النبيين ( ص )
غزوة تبوك 639 - استوعبت الدعوة الإسلامية البلاد العربية ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر ، ومنهم من أسلم ، ولما يدخل الإيمان في قلبه ، ومنهم من آمن وأخلص للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم وحمل عبء الدعوة وجاهد في سبيلها ، وليس من العرب من لم يعلم بالإسلام ، والنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، والحق الذي يدعو إليه ، من غير مواناة ولا تقصير . ولا هوادة . ولا بد أن يتجاوز بعد ذلك دائرة البلاد العربية إلى ما يصاقبها ، من البلاد المجاورة خصوصا البلاد التي فيها العنصر العربي ، فإنها بتكوينها أقرب إلى الاستجابة إلى ما يعم بلاد العرب التي هي مثابتهم ، وفيها الحرم الآمن الذي جعله اللّه آمنا ، والناس يتخطفون من حوله . وأخص بذلك بلاد الشام ففيها الغساسنة من العرب ، وكان فيها اعتداء على من أسلم وكانت غزوة مؤتة ، بسبب قتل رسول النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم وإلى بصري . وانتهت مؤتة ، ولم تكن بنصر حاسم ، وإن لم تكن بهزيمة ، فإن جيش الإسلام لم يرجع مهزوما وإنما تراجع منتظما بمهارة خالد بن الوليد ، وكانت هذه أول قيادة ناجحة له في الإسلام . ولم تكن النتيجة على المسلمين ، فلم يقتل منهم أمام مائتي ألف إلا نحو اثنا عشر رجلا وقد قتل من الروم مقتلة عظيمة ، حتى إنه في هذه المعركة يطوى في يد خالد تسعة سيوف ، وقتل الأمراء لم يؤثر بالهزيمة في الجيش الأقل في عدد . وإن شئت أن تقول إن غزوة تبوك امتداد لغزوة مؤتة فقل ، فهي سير في الخطة التي ابتدأت بها ، ولم تنل مأربها من قتل قتلة الرسول الذي بعثه رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم . ومع أنها امتداد لغزوة مؤتة في سببها وسيرها ، والمقصد ، فقد كان لها وحدها سبب قائم بذاته ، ذلك أنه باللقاء بين المسلمين وغيرهم من الأنصار ومن معهم من العرب ، أوجد الالتحام الحربي بين العرب الذين عاونوا الرومان والعرب المجاهدين مع اتحاد الجنس ، من يميل إلى الإسلام لأنه الدين الجديد في قومهم ، وقد صار رمز القوة عندهم ، وخير لهم أن يعتزوا بأنفسهم عن أن يعتزوا بالرومان ، ففرق بين من يقول أنت أخي ، ومن يقول أنت عبدي أو تابعي ، ولذلك كان إقبال الخاضعين للغزو الروماني شديدا لأنه الدين الجديد لإخوانهم ، ولاضطراب الدولة الرومانية ، واضطراب الأحوال فيها . ولقد أسلم من العرب الذين استعان بهم الرومان عدد كبير .