محمد ابو زهره
936
خاتم النبيين ( ص )
لهم ، فنادوا محمدا صلى اللّه تعالى عليه وسلم بالرحم والقرابة ، وما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يصم آذانه عن نداء الرحم والقرابة ، وهو الذي يأمر أن يوصل ما أمر اللّه تعالى بوصله . وقد رأى الإسلام يدخل الطائف من مكة المكرمة وما حولها ، وأن بعض بنى ثقيف دخلوا في الإسلام وأكثرهم مال إليه ، وما كان محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم إلا هاديا داعيا إلى الحق وإلى صراط مستقيم ، وإن اللين مع من عندهم عنف كثقيف قد يكون سببا في أن تصغى قلوبهم إلى الإسلام ، بينما العنف يعمى قلوبهم ويغلظ أكبادهم ويزيدهم عنادا . فرأى عليه الصلاة والسلام استجابة لداعى الرحم الذي أثاروه ، والقرابة التي تنادوا بها ، والإصلاح في الأرض أن يرحل ، وقد غاب عن المدينة المنورة أكثر من شهرين . وإن ذلك كان في شوال ، وإذا استمر فإنه سيجيء ذو القعدة وهو من الأشهر الحرم ، وما كان النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ليقاتل مهاجما في الأشهر الحرم ، التي هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذي بين جمادى وشعبان . وموقف النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم كان موقف هجوم ، والنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم لا يخالف أمر اللّه تعالى باحترام الأشهر الحرم . لذلك أخذ في الرحيل عائدا إلى المدينة المنورة بعد أن حاصر الطائف سبع عشرة ليلة ، وفي رواية سبعا وعشرين ليلة ، وقال ابن إسحاق : مكث بضعا وعشرين ليلة . اتخذ النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم الأهبة في الرحيل ، وذكر أن اللّه تعالى لم يأذن له في الطائف ، وذكر ذلك لخويلة بنت حكيم بن أمية . فخرجت خويلة وذكرت ذلك لعمر بن الخطاب ، فقال لرسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم : ما حديث حدثتنيه خويلة ، زعمت أنك قلته . أفلا أؤذن بالرحيل ، قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم : بلى ، فأذن عمر رضى اللّه تعالى عنه بالرحيل . رحل رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم إلى يثرب عائدا من تلك الرحلة المباركة غير مهزوم ولا مغلوب ولا عاجز ، ولكنه قادر ومنفذ لحدود اللّه ، غير مقاتل ولا مهاجم في الشهر الحرام ، مراعيا الرحم والقرابة ، وآخذا القوم إلى الإسلام في رفق وغير غلظة ، وخرج من بين ظهرانيهم ، ليلقى وفد هوازن وثقيف في المدينة المنورة بين ظهراني المسلمين .