محمد ابو زهره

891

خاتم النبيين ( ص )

فهؤلاء المتطرفون في عداوتهم قد تجمعوا مع بنى بكر الذين كانت مناصرتهم سببا لخرق العهد ، وقد تجمعوا في منطقة الخندمة ، فلما وصلها خالد ومن معه أمطروها وإبلا من النبل ، فاضطر خالد أن يقاتلهم حتى فرق جمعهم ، وكانوا عددا قليلا يسهل تفريقه . وأسلست قريش القياد ، ولم تنفر ، ورضيت بالبقاء ، ولم يقتل من أصحاب خالد إلا اثنان قد ضلا وشذا بالانفراد ، فيظهر أنهما قد تمكن الأعداء منهما ، وكان في الذين هاجموا خالد بن الوليد بالنبل ، صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل فانطلقا خارجين إلى البحر ، ولم يقبلا أن يقيما مع محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم بمكة المكرمة أو تحت سلطانه . بعد أن انهزم صفوان ، اتجه إلى جدة ، فقد روى ابن إسحاق قال : خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن ، فقال عمير بن وهب : يا نبي اللّه ، إن صفوان بن أمية سيد قومه ، وقد خرج هاربا ، ليقذف نفسه في البحر ، فأمنه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، قال : هو آمن ، قال يا رسول اللّه ، فأعطني آية يعرف بها أمانك ، فأعطاه رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم عمامته التي دخل بها مكة المكرمة ، فخرج بها عمير حتى أدركه ، وهو يريد أن يركب في البحر ، فقال : يا صفوان فداك أبي وأمي ، اللّه اللّه في نفسك أن تهلكها ، فهذا أمان من رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم قد جئتك به ، قال : ويلك اغرب عنى فلا تكلمني . قال : أي صفوان ، فداك أبي وأمي ، أفضل الناس وأبر الناس ، وأحلم الناس وخير الناس ابن عمك ، عزه عزك ، وشرفه شرفك ، وملكه ملكك ، قال : إني أخافه على نفسي ؟ قال : هو أحلم من ذلك وأكرم ، فرجع معه حتى وقف به على رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، قال صفوان : إن هذا يزعم أنك قد أمنتني ، قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، صدق قال : فاجعلني فيه بالخيار شهرين قال : أربعة أشهر ، هذا هو محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم في خلقه ، الرفيق اللين في قوته المتواضع في عزته يرجو العربي العنيف ، ليستأمنه فيؤمنه ، ولكنه يشترط لقبول الأمان الخيار شهرين . ولقد جاءت إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أم حكيم زوج عكرمة بن أبي جهل فأسلمت ، فاستأمنت لزوجها عكرمة فأمنه ، وكان قد سبق صفوان ، إلى اليمن وتخلف صفوان كما ذكرنا ، فلحقت به إلى اليمن ، فجاءت به فلما أسلم عكرمة بقيت معه زوجه أم حكيم ، وكذلك كانت فاطمة بنت الوليد زوجا لصفوان بن أمية ، فلما أسلم بقيت زوجه . وقد بقيتا بالزواج الأول ، وذلك أن من تسلم زوجه ، وهو كافر يعرض عليه الإسلام ، فإن أسلم بقيت الزوجية كما هي من غير عقد جديد ، وذلك لأن الفرقة لا تكون بسبب الإسلام ، وإنما تكون بسبب إباء الزوج الإسلام بعد العرض عليه .