محمد ابو زهره

883

خاتم النبيين ( ص )

لا شك أن الجواب لا يبرر العمل ، ودل على شيء غير قليل من الضعف النفسي ، فوفوده وأهله بينهم من قبل الحديبية ، ولعلهم وصلوا إلى مكة المكرمة في مدتها ، وفي كلتا الحالين ، ما كانت البواعث الشخصية تسوغ مخالفة النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم وهو القائد الأعلى صلى اللّه تعالى عليه وسلم ولا تعريض الجيش للأذى ، والاستعداد له ومواجهته ، وقد تدول الدولة لأعدائه . ولذلك لم يستسغ عمر رضى اللّه عنه ذلك ، بعد أن لم يستسغه النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ولذلك قال عمر رضى اللّه تعالى عنه : يا رسول اللّه دعني فلأضرب عنقه ، فإن الرجل قد نافق ، ولكن الرسول الكريم صلى اللّه تعالى عليه وسلم الذي لم يستسغ ذلك العذر ، خالف عمر ، وقال معتذرا عن حاضره بماضيه في بدر : ما يدريك يا عمر ، لعل اللّه قد اطلع على أصحاب يوم بدر ، فقال اعملوا ما شئتم ، فقد غفرت لكم . ما يرد النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم عن فعلته التي فعلها ، ولكنه يلومه في عبارات رقيقة عاطفة إن ماضيه ينهاه عن حاضره ، وأظن أن ذلك القول ، أروع من قول الفاروق عمر . ولقد قالوا إنه نزل فيه قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ، وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ، يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ، أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ ، إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي ، وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي ، تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ، وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ ، وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ ، فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ . إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً ، وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ ، وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ . لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ ، يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ، إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ ، وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، كَفَرْنا بِكُمْ ، وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ، إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ، وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ، رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا ، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا ، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ( الممتحنة - 1 : 4 ) . وإذا كان ثمة أمر يسهل أن يرتكب الصحابي البدري ذلك ، فليس هو النفاق ، ولكن المدة التي سهلت الالتقاء أحيت ما كان من مودة قديمة ، فسال سيله في طريقها حتى وقع في هذا الخطأ ، بل الخطيئة ، ورسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، قد جعل ماضي أمره مسقطا لذنب حاضره وهو الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم المؤلف بين القلوب ، الجامع لها ، وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم .