محمد ابو زهره

536

خاتم النبيين ( ص )

يتركوها رهبا ، ولا بد للحق في هذه من صولة تكف أذى الباطل ، أو على الأقل تجعل الباطل يتردد عند إنزال أذاه ، وأنه إن لم يخش صوت الضمير ، فإنه يخشى صلصلة السيوف . فكانت هذه السرايا ، وتلك الغزوات مظاهر من صولة الحق ليتركوا الدعوة إلى الحق تسير في سبيلها ، ولتستيقظ ضمائر كانت نائمة ، فمن الضمائر ما لا يستمع لصوت الحق الوادع الرفيق ، ولكنه يستيقظ إذا رأى جلجلة القوة ، فيخفف من حدة الأذى ، ويتبع ذلك أن يسير في طريق الهداية إن لم يكن الضلال قد كتب عليه . ب - وإنه إذا لم يكن قتال ، فقد كان هنا دراسة للمؤمنين في البلاد العربية يتعرفون وهادها ، وجبالها ، ويدرسون مجاهلها ، فيعرفها من لم يكن يعرفها ، ويلتقون فيها بالأعراب في أخبيتهم ، ومساكنهم ، وفي ذلك إعلان الدعوة لمن لم يكن يعلمها ، وتوجيه العقول إليها وتوضيحها وبيانها . وإن في هذه الجولات التي كان يجولها أولئك المؤمنون في السرايا التي بعث بها النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم تعرفا لمساير عير قريش ، وما كانت إلا للتجار الأغنياء فيهم ، فما كان للشعب فيها إلا النزر اليسير ، وما كانت تلك البعوث التي تتبع عير قريش لأخذها ، إلا ليكون هذا بدل ما اغتصبوا ، وقد قلت من قبل ، إن ذلك لم يكن حصارا اقتصاديا ، كما يجرى في عبارات الكاتبين والمحاربين والسياسيين في هذا الحصار . كالذي تجرى كلماته في عصرنا يقصد به التضييق على الأمة التي يعادونها في موارد رزقها ، فلا يرسل إليها طعام ، ولا المواد الضرورية للحياة والعمران ، بحيث يعم الضيق الشعب كله ، وما كان ذلك في سرايا النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ولا في غزواته إنما كان الاتجاه إلى محاربة التجار الذين كانوا يقومون بالتجارة ، وجلهم أو كلهم ممن حاربوا النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم واشتركوا في إيذاء أصحابه ، وإخراجهم من أموالهم وديارهم ، فما كان فعله عليه الصلاة والسلام حربا اقتصادية تعم البرىء والسقيم ، بل هو مصادرة لمال ظالم اغتصب أموال المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا اللّه كما تلونا الآيات من قبل ذلك . ج - وإن غزوات النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم مع ما فيها من نشر الدعوة إلى اللّه سبحانه وتعالى بالحكمة والموعظة الحسنة كان فيها تأليف للقلوب ، ففيها عقدت اتفاقات على النصرة والإيواء ، ففي غزوة الأبواء ( ودان ) اتفق عليه الصلاة والسلام مع بنى ضمرة على أن ينصروه إذا دعاهم إلى النصرة وينصرهم إذا دعوه . وفي غزوة العشيرة عقد مع بنى مدلج ، وحلفائهم من بنى ضمرة اتفاقا على المناصرة بينه عليه الصلاة والسلام وبينهم ووثقه بكتاب كتب ، كما نقلناه من قبل من الروض الأنف للسهيلى .