محمد ابو زهره
532
خاتم النبيين ( ص )
سرية عبد اللّه بن جحش : 368 - قد علمت أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم عندما جاء إلى المدينة المنورة سالم الذين يقيمون فيها ، وعقد معهم الأحلاف البرة من جانبه عليه الصلاة والسلام ، وقد رأيت أن غزواته صلى اللّه تعالى عليه وسلم الأولى لم يكن فيها قتال ولكن كان فيها سلم ومواثيق تؤخذ ، وتأليف بين القلوب النافرة ولو استمرت على كفرها ، إذ أن وراء التأليف أن تخلص النفوس بطلب الحق ، فتشرق من غير أن يدخلها ظلام النفرة . ومن القبائل من كانت تجيء إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم تلقى بالمودة من غير نفاق ولا ريبة ، ومنهم قبيلة جهينة فقد روى الإمام أحمد بسنده عن سعد بن أبي وقاص ، أنه قال : « لما قدم رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم المدينة المنورة جاءته جهينة ، فقالوا : إنك قد نزلت بين أظهرنا ، فأوثق حتى نأتيك وقومنا ، فأوثق لهم فأسلموا فبعثنا رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم في رجب ، وكنا مائة ، وأمرنا أن نغير على حي من بنى كنانة إلى جنب جهينة فأغرنا عليهم ، وكانوا كثيرا ، فلجأنا إلى جهينة ، فمنعونا وقالوا لم تقاتلون في الشهر الحرام ؟ فقلنا إنما نقاتل من أخرجنا من البلد الحرام في الشهر الحرام ، فقال بعضنا لبعض ما ترون ، فقال بعضنا : نأتى نبي اللّه فنخبره ، وقال قوم : بل نقيم هاهنا ، وقلت أنا ( عبد اللّه بن جحش ) في أناس معي ، لا بل نأتى عير قريش ، فنقتطعها ، وكان الفيء إذ ذاك من أخذ شيئا فهو له ، فانطلقنا إلى العير ، وانطلق أصحابنا إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، فأخبروه الخبر ، فقام غضبان محمر الوجه ، فقال : أذهبتم من عندي جميعا ، ورجعتم متفرقين ، إنما أهلك من كان قبلكم الفرقة لأبعثن عليكم رجلا ليس بخير كم أصبركم على الجوع والعطش » . هذه رواية عند الإمام أحمد ، وليس في سنده من عرف الطعن فيه ، وقد روى مثله مع بعض زيادة في السند البيهقي في دلائل النبوة ، وزاد في متن الحديث أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم استنكر القتال في الشهر الحرام . والحديث برواية الإمامين أحمد والبيهقي يدل على ثلاثة أمور : أولها - ما جاء من أن جهينة آمنت إذ بدت البينات ، واستعدت لنصرة النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم . وثانيا - أن المسلمين لم يقاتلوا فعلا ، وإن هموا بالقتال ، وترددوا عندما نبهوا إلى الشهر الحرام .