محمد ابو زهره
527
خاتم النبيين ( ص )
أسوة في حربه وفي سلمه هي عبادة ، لأن رفع الحق ، والحرب لرفعه هو في ذاته عبادة ، فليست عبادة الإسلام عكوفا في الصوامع من غير عمل نافع ، بل كل عمل نافع فيه عبادة إذا نواها المؤمن : « إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امريء ما نوى . . » . أدوار الحرب المحمدية 363 - كان لا بد قبل أن نخوض في حروب النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم وأدوارها ، والمعارك التي خاضها - من أن نسبق بالقول في أوصاف حرب النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، فإن ذكر الحرب قد يفزع ، ويرهب ، فكان من الضروري أن نعرف القارئين بأنها ليست كحرب الناس تستمد أحكامها من الغلب بالمخلب والناب ، وأنها حرب نبوة تدفع إليها الفضائل الإنسانية ، ويظلها الحق والخلق الكريم في الباعث عليها ، وفي ابتدائها ، وفي سيرها ، وفي الانتهاء منها ، وفي معاملة المغلوبين ، ليتميز الخبيث من الطيب ، ولكيلا يتطاول ملحد في دين اللّه على مقام الرسالة ، ومكان الهداية ، ويقع في القول بغير حق ويفترى بالباطل ، فنضع الحقائق بين يديه ، فإن شاء استنار بها ، وإن طمس اللّه تعالى على بصيرته فما له من هاد ، ويكون كما قال الشاعر : كناطح صخرة يوما ليوهنها * فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل وبعد هذه التقدمة نقول أن حرب النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم قد أخذت أدوارا ثلاثة : الدور الأوّل : توجه عليه الصلاة والسلام للتصدي لمتاجر قريش ليشعرهم بقوة الحق ، وليحملهم على منع الفتنة في الدين ، وليدركوا نور الحق بعد أن تبين نوره قويا وهاجا ، وليعلموا أنه لا ملجأ لهم من اللّه سبحانه وتعالى إلا إليه . والدور الثاني : تلقيه لمن يهاجمون المدينة المنورة لينالوا من رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ومن معه . ظانين أنهم بذلك يقتلعون الإسلام من جذوره ولينالوا منه نيلا ، قد ابتدأوه في مكة المكرمة ، وحاولوا أن يقطعوا شجرته في المدينة المنورة ، حاسبين أنه قد استغلظ سوقها . وفي هذا الدور كانت بدر الكبرى ، وأحد ، والخندق أو الأحزاب ، ومعها كان إجلاء بنى قينقاع ، وبنى النضير ، وبني قريظة . الدور الثالث : كان في الخروج إلى العرب الذين قاتلوه كافة ، فكان حقا عليه أن يقاتلهم كافة ، كما أمره اللّه سبحانه وتعالى بقوله : وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً ، كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( التوبة - 36 ) وفي تلك الغزوات كان النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم يعمم