محمد ابو زهره

523

خاتم النبيين ( ص )

الرفق غير حرب النبوة التي قام بها محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وللناس في رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم أسوة حسنة . الأسرى 360 - لعل أبلغ ما يدل على أن الحرب النبوية التي دافع بها صلى اللّه تعالى عليه وسلم عن المؤمنين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا اللّه ، هي حرب لتعليم الناس أن الخلق الكريم يلازمها ، وأن الفضيلة تظلها في كل أدوارها ، هو معاملة النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم للأسرى ، لقد كان رفيقا بالأسرى لا يهدر آدميتهم ، ولا يعرف تاريخ الإنسانية محاربا كان رفيقا بأسراه كمحمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، فقد كان صلى اللّه تعالى عليه وسلم يوصى بالأسرى ، ولما أسر من أسر في غزوة بدر ، نزلوا في بيوت الأنصار ، وكأنهم في ضيافة لا في أسر ، وذلك لقول النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « استوصوا بالأسرى خيرا » ولماذا كان النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم يوصى بالأسرى ، ويبالغ في الإيصاء بهم ؟ والجواب عن ذلك أنهم يؤسرون ونيران الحرب مستعرة ، وربما كان بعضهم من قتل الكثير من جيش المسلمين فيكون الاعتداء عليه متوقعا وغليظا لشدة الغيظ ، وانبعاث الرغبة في الانتقام ، كما فعل الأوربيون والأمريكان فيمن سموهم مجرمى الحرب ، فالنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وهو يضرب الأمثال السامية في تلك الحرب النبوية منع إيذاء الأسرى وأمر بإكرامهم منعا لتلك الروح الانتقامية الغليظة . وقد أخذ المسلمون في أسرى بدر بتلك الوصية الكريمة ، حتى إن الذين قد نزلوا في ديارهم كانوا يؤثرونهم على أنفسهم وأولادهم بالطعام . وإن أولئك الكرام كانوا في جهادين : أولهما جهاد السيف ونيران الحرب ملتهبة ، حتى إذا انطفأت كان الجهاد الثاني ، وهو ضبط النفس لتكظم الغيظ ، لئلا يكون منها ما لا يرضاه اللّه سبحانه وتعالى بالنسبة للمغلوبين ، وخصوصا الأسرى . لقد تلونا فيما مضى من قولنا قول اللّه سبحانه وتعالى : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً ، وَيَتِيماً وَأَسِيراً ( الإنسان : 8 ) وإن الإسلام يوجب بالنسبة للأسير أمرين : أولهما : أنه ليس لجيش الإسلام أن يأسر حتى يثخن في الأرض بأن يثقل جيش العدو بالجراح ، ولا تكون له قدرة على مواصلة القتال ، وقد قال اللّه سبحانه وتعالى : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( الأنفال - 67 ) .