محمد ابو زهره

520

خاتم النبيين ( ص )

انتهاء الحرب 358 - كانت حرب النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم تنتهى بأحد أمور ثلاثة : أولها - الموادعة - وقد كانت عهود الموادعة التي كان يبرمها النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم مرغوبا فيها منه صلى اللّه تعالى عليه وسلم استجابة لقول اللّه سبحانه وتعالى : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ( الأنفال : 61 ) ولقول اللّه سبحانه وتعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ( البقرة : 208 ) ولأن الأصل في العلاقة هو السلم ، والحرب لا تكون إلا إذا دفعت إليها ضرورة رد الاعتداء بمثله مع التزام الفضيلة كما ذكرنا ، وإذا كانت الموادعة فقد زالت ضرورة الحرب ، والضرورة تقدر بقدرها . وقد عقد النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم موادعات ، كما عقد صلحا ، وعقد من بعده صاحباه أبو بكر وعمر رضى اللّه تعالى عنهما معاهدات صلح آخذين بهديه ، مقتبسين من نوره ، وكلها كانت تبدو فيها الرغبة في الصلح من جانب النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم وما كان النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم يدخل في الحرب إلا بعد عرض الصلح ، حتى تتحقق ضرورة الحرب . وإن الموادعة لا يفرضها النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بحكم القوة ، إن كان هو الغالب ، بل يفرضها بالسماحة وإدناء القلوب النافرة . ولعل أوضح الأمثال في الدلالة على ذلك صلح الحديبية ، فقد ذهب إلى مكة المكرمة ومعه جيش كثيف في عدده ، قوى في رجاله ، مستعد في عدته ، ليحج بيت اللّه الحرام ، ولكن ما إن عرضت فكرة المهادنة ، حتى سارع عليه الصلاة والسلام إليها وقبل من الشروط ما لا يقبله إلا السمح الكريم ، وفيها كما يدل ظاهرها من الإجحاف بالمسلمين ما كان لغير نبي أن يقبله ، ولكنه قبله راضيا . ولنذكر الخبر فيها ، كما روته الصحاح في السنة : روى البخاري أن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم خرج في ذي القعدة من العام السادس ليحج إلى بيت اللّه الحرام . على ألا يقاتل إلا إذا منع ، فلما بلغ قريشا عزمه عليه الصلاة والسلام ، ومجيئه مع أصحابه ، جمعوا له الجموع ليصدوه ، ومن معه ، فلما علم النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بذلك ، وقد لبس لباس الحج ونواه ومعه الجيش الكبير - جمع أصحابه ، وقال : « أشيروا على » ، فقال أبو بكر : « يا رسول اللّه خرجت قاصدا البيت ، لا تريد قتل أحد ، ولا حرب أحد . فمن صدنا عنه قاتلناه » فقال الرسول عليه الصلاة والسلام : « امضوا على بركة اللّه » حتى إذا أشرف على مكة المكرمة قال : « واللّه لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات اللّه إلا أعطيتهم إياها » .