محمد ابو زهره
517
خاتم النبيين ( ص )
« انطلقوا باسم اللّه وعلى بركة اللّه لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ، ولا امرأة ، ولا تغلوا ، وضموا غنائمكم « 1 » ، وأصلحوا وأحسنوا إن اللّه تعالى يحب المحسنين » . وفي معنى هذه الوصية وصية أخرى ، وهي قوله عليه الصلاة والسلام « سيروا باسم اللّه في سبيل اللّه تعالى ، وقاتلوا أعداء اللّه ولا تغلوا ( تخونوا ) ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا » . ويقول عليه الصلاة والسلام لخالد بن الوليد : « لا تقتل ذرية ولا عسيفا » ( أي عاملا ) . وبهذه الوصايا يتبين أن الحرب النبوية الفاضلة لا يصح أن تكون إتلافا وإفسادا ، وتحللا من القيود الإنسانية ، ولذلك لا يباح في القتال كل شيء ، ولا يفعل ما يفعله القواد في هذه الأيام من إهلاك الحرث ، والنسل ، وإفساد الزرع وإلقاء السم فيه ليتسمم الأحياء . وإن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم شدد في منع قتل الأطفال والشيوخ الذين لا يحاربون وليس لهم رأى في الحرب ، والنساء ، لأن القتال الذي كان من المسلمين إنما كان لدفع الاعتداء والقصاص من المعتدين ما داموا مستمرين أو على نية الاعتداء ، وأولئك ما كانوا يقاتلون ولا يعتدون ، وليس في طاقتهم أن يقفوا محاربين الدعوة الإسلامية أن تسير في طريقها . وقد مر النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم على القتلى فرأى امرأة مقتولة ، فقال عليه الصلاة والسلام : ما كانت هذه لتقاتل . وأرسل إلى خالد بن الوليد يأمره بألا يقتل عسيفا ولا ذرية . ولقد كان عليه الصلاة والسلام يغضب إذا بلغه أن جنده قتلوا صبيانا ، ولقد بلغه أن بعض الأطفال قتلهم جند المسلمين ، فوقف عليه الصلاة والسلام يقول لجنده : « ما بال أقوام تجاوز بهم القتل حتى قتلوا الذرية ، ألا لا تقتلوا الذرية . . . ألا لا تقتلوا الذرية » . وكان عليه الصلاة والسلام يمنع قتل العمال ، وكرر منع قتل العسفاء وهم العمال الذين يستأجرون للعمل ، لأن حربه عليه الصلاة والسلام لم تكن لقتل الأقوياء القادرين ، إنما كانت لمنع اعتداء الذين يحملون السلاح ، أو يدبرون الاعتداء ، والعمال ليسوا كذلك ، إذا لم يكن عملهم لتهيئة أسباب القتال .
--> ( 1 ) وضم : القوم تجمعوا وتقاربوا ، والوضم : كل ما يوضع عليه اللحم يوقى به من الأرض ، وفي هذا واللّه أعلم إشارة إلى المحافظة على الغنائم أنفسا كانت أو غير أنفس .