محمد ابو زهره
511
خاتم النبيين ( ص )
غزوات لا قتال فيها ، وأولى غزوات النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم لم يكن فيها قتال ، ومنها الأبواء ، والعشيرة ، وغطفان ، وبدر الأولى ، ومن أعظم الغزوات التي لم يقاتل النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم فيها الحديبية فقد كانت فتحا لابتداء سلام بين النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم وقريش ، ولذلك قال اللّه تعالى فيها : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً . لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ، وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً . وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً ( الفتح - 1 : 3 ) . الحرب الفاضلة أو حرب النبوة 352 - لم يكن في السرايا التي بعث بها النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم قتال ، بل كانت نتيجتها سلما ، وما كان الفريقان يلتقيان إلا ليفترقا في سلام ، وإن لم يكن ذلك دائما ، إلا ما كان من رمية رماها سعد بن أبي وقاص في سرية عبيدة بن الحارث . ومع أنه لم يكن في هذه السرايا قتل ولا قتال كانت ذات فائدة ، لأنها أعلمت قريشا أن الإسلام صارت له قوة ، فإما أن يسارعوا إليه ، ولا يكونوا آخر الناس ، وإما أن يسارع القصاص ، والرد على ما سبقوا به من الاعتداء . أو من جهة أخرى يشعرون بأن قوة الإسلام ستنقذ المؤمنين الذين لا يزالون يفتنونهم عن دينهم الذي ارتضوه والفتنة أشد من القتل . كما ذكر اللّه سبحانه وتعالى في كتابه الكريم . ومن جهة ثالثة يحسون بأن محمدا صلى اللّه تعالى عليه وسلم سيضايقهم بالحق كما ضايقوه بباطلهم . وكما يضايقون أصحابه من المستضعفين في ديارهم ، وذلك بمصادرة أموالهم كفاء لما أخرجوا المسلمين من ديارهم وأموالهم . فكانت هذه السرايا الأولى في السنة الأولى من الهجرة إشعارا لهم بأن الإسلام قد أمده اللّه تعالى بالقوة ، ليرهبوه ما داموا لم يسالموه ، بل إنهم لم يرغبوه . وكانت كذلك غزوات النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم الأولى في الأبواء والعشيرة ، وغطفان ، وبدر الأولى ، فقد كانت خالية من القتل والقتال ، بل كانت لهذا الإشعار . حتى إذا شعرت قريش بهذه القوة المؤمنة ، وكونوا جيشا كثيفا ، وساروا به ولم يسبق عيرا ، وبدا أنهم يرومون الحرب ، إذ استعدوا لها ، وأرادوا الاعتداء بها ، كان القتال ، لأنهم كانوا المهاجمين ، وما كان محمد عليه الصلاة والسلام لينتظر حتى يغزوا المدينة المنورة بجيشهم ، بل لابد أن يلقاهم ، لأنه ما غزى قوم في عقر دارهم إلا ذلوا ، كما قال بطل الجهاد على كرم اللّه وجهه الذي رباه محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وعلمه الحكمة وفصل الخطاب .