محمد ابو زهره
763
خاتم النبيين ( ص )
هجرة المستضعفين : 518 - وبعد أن فتح لمن يسلم بدار الشرك الباب للذهاب إلى المسلمين وألغى ذلك الشرط كان يحث النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم الذين يسلمون ألا يبقوا مستضعفين في أرض الشرك ، بل عليهم أن يهاجروا ، وإن ذلك مبدأ الإسلام أن يتجمع المسلمون ، ولا يستمروا متفرقين في الأرض . ومنع رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم من إقامة المسلم بين المشركين ما دامت عنده قدرة على الخروج من بين ظهرانيهم ، وقال صلى اللّه تعالى عليه وسلم : لا تراءى نارهما . وقال : من حارب مع مشرك وسكن معه فهو مثله ، وقال صلى اللّه تعالى عليه وسلم : لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ، ولا تنقطع التوبة حتى تخرج الشمس من مغربها . وقال : ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم بها . وبذلك طلب النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم من كل مستضعف أن يهاجر إلى حيث يتجمع المسلمون ما دام قادرا على ذلك ، لأنه بهجرته إلى المسلمين يتحقق أمران . أحدهما : أنه يخرج من حال استضعاف ، وذلك بالخروج من ولاية الكفر أو الشرك إلى حيث العزة والمنعة وولاية المؤمنين فهم أهل ولاية اللّه وولاية الحق ، وهي القوة وهي الأمن والقرار . ولقد أوجب القرآن الكريم ذلك فقال : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ، فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً . إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا . فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً . وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ ، فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( النساء - 97 ، 100 ) . وإن نصوص النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم عامة ، ونص القرآن الكريم ملزم لا مناص من تنفيذه . الأمر الثاني : أن في الهجرة تجميع المسلمين ، وفي الجماعة قوة ليست في الفرد . وإن ذلك أمكن للوحدة ، وأحفظ لهيبة أهل الإسلام . وإنه قد يعترض على جعل الهجرة بالانتقال من أرض الاستضعاف إلى حيث القوة الإسلامية مبدأ دائما ومطلوبا مستمرا . قد يعترض على ذلك بقول النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « لا هجرة بعد الفتح » .