محمد ابو زهره
759
خاتم النبيين ( ص )
نَكَثَ ، فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ، وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ( الفتح - 10 ) . ولقد كان من الفتح المبين أن نقيت جماعة الإسلام ممن لم تستقم قلوبهم وتكون خالصة للحق لا تبتغى سواه ، ولذلك لم يخرج مع النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في الحديبية إلا من أراد اللّه سبحانه وتعالى ، وأراد الحج ، لا المغانم وما وراءها . ولذلك قال اللّه سبحانه وتعالى فيهم في سورة الفتح : سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ ، يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ ، قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ ، فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا ( الفتح - 15 ) . ولقد أشار سبحانه وتعالى إلى الذين يستقبلهم المسلمون من أولى البأس والشدة ، ولقد كان الذين خرجوا للاعتمار تعرضوا لاحتمال الحرب فتضافروا وبايعوا رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم على أن يبيعوا أنفسهم للّه تعالى ، ولا يفروا ، وقال سبحانه وتعالى ما تلونا من قبل : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ، فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ ، فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ، وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً . وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً . وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها ، فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ ، وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ ، وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( الفتح - 18 ، 20 ) . وإنه كانت الحديبية التي سماها اللّه تعالى الفتح المبين سبيلا لأن يتجه النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم إلى اليهود وينفرد لهم ، ثم بعد ذلك يكون الاتجاه إلى الرومان ، كما قال اللّه سبحانه وتعالى : سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ، تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ( الفتح - 16 ) . وأولئك هم الرومان ، والدخول إلى أرض الشام . وإن الغاية توجب تحمل الوسائل ، ولو كانت قاسية على النفس ، وما كان للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أن يتجه إلى اليهود ، وخضد شوكتهم في البلاد وقد اتخذوها للأذى والإيقاع ولم ينفع عهد ولا ذمة . ما كان أن يتجه إلى أولئك ، وشوكة قريش تجرح من وراءه ، فلابد أن يؤمن ظهره بعهد ، ولو كان فيه ما توهمه بعض المؤمنين غبنا فاحشا ، ولكنه الطريق المستقيم لتوجيه الدعوة الإسلامية إلى مواطنها . وإن ذلك تصديق رؤيا النبي عليه الصلاة والسلام التي رآها ، بأنه سيدخل المسجد الحرام ، ولكنها لا تتحقق واقعة إلا في عام قابل ، وكان ذلك الصلح ، فقد قال اللّه سبحانه وتعالى :