محمد ابو زهره

742

خاتم النبيين ( ص )

ارتكبوا ذلك الإثم ، ولا يقال إنه قد طبقت عليهم عقوبة لم تكن ثابتة وقت ارتكابهم ما حقت عليهم بسببها ، وإن العقوبات تطبق على الحوادث اللاحقة ولا تطبق على الحوادث السابقة ، كما يقرر علماء القانون الوضعي ، وإن كان في ذلك القول نظر يوجب تمحيصه . التنبيه الثاني : أن العقوبات في الإسلام تسير سيرا طرديا مع منازل المرتكبين ، فتكبر العقوبة مع كبر المجرم ، وتصغر مع صغره ، لأن الجريمة مهانة ، والمهانة تهون على الصغير ، لأن نفسه مهينة في نظره ، والمهانة من ذي المنزلة أمر كبير . ولذلك جعل الإسلام العقوبة المقدرة على العبد نصفها إذا وقعت الجريمة على الحر ، وقد قال تعالى في شأن الإماء فَإِذا أُحْصِنَّ ، فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ، فإذا كانت الحرة إذا زنت تجلد مائة ، فإنه إذا زنت الأمة تجلد خمسين . وكذلك الأمر بالنسبة للعبد ، وكذلك الأمر بالنسبة لكل الحدود ، لا فرق بين حد وحد ، وكل ذلك في العقوبات القابلة للتنصيف . ولقد أجمع الفقهاء على أنه يجب تخفيف ما على العبد بعد تنصيفه ، فيكون السوط الذي يجلد به العبد أخف من سوط الحر . الحديبية 503 - انتشر الإسلام في الصحراء العربية ، تبعه من تبعه ، وعلم بأمره الكثيرون ، وكان من الأعراب مؤمنون كما كان منهم مسلمون ، أعلنوا إسلامهم ، وإن لم تؤمن قلوبهم ، وكان منهم من استمر على شركه ، ولكن صار في المسلمين قوة ولهم هيبة تجعل الذين بقوا على شركهم ينظرون إلى الدعوة للتوحيد ، والإيمان بمحمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم على أنها ذات مكانة جعلتهم يفكرون ويقدرون ، ولا يكتفون بالرد بادي الرأي ، والإنكار المطلق من غير تفكير ولا تدبر . والقول الجملي أن الريب دخل قلوبهم من ناحية عبادة الأوثان ، وهم يعلمون اللّه تعالى بذاته وصفاته ، ولا شك أن ريبهم في أوثانهم هو الطريق لأن يدخلوا في دين الفطرة مؤمنين آمنين ، صارت الدعوة الإسلامية تملأ الآفاق ، ولم يعد أحد من الأعراب أو من لف لفهم يفكر في غزو المدينة فهي محروسة بحراسة اللّه تعالى ، مصونة بكلاءة اللّه تعالى . فإذا كان النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم قد أمن غزو الأعراب ، أو أن يدخلوا في أحلاف مع أعدائه ، فقد آن له أن يتجه إلى قريش الذين يناصبونه العداوة ، لا ليقاتلهم ، فهو لا يقاتل إلا دفاعا ، كما رأينا في سراياه وغزواته السابقة .