محمد ابو زهره

706

خاتم النبيين ( ص )

نظرة في الحكم : 475 - لا شك أن الحكم شديد ، ولكنه عادل ، والنظر لا من ناحية أنه عادل ، ولكن أما كان موضع للتخفيف ، ونقول في ذلك : إنهم مقاتلون ، واستمرت لهم صفة المقاتلين إلى آخر لحظة ، وعلي بن أبي طالب ، عندما تقدم لهم خاطبهم على أنهم مقاتلون ، وقال رضى اللّه عنه ، وهو يهاجمهم ، لأذوقن ما ذاق حمزة ، ولأفتحن حصنهم ، فلما رأوا العزيمة في علي ومعه الزبير ، وأنهم مغلوبون لا محالة ، وطلبوا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ ، فهم ارتضوا ما ينفذ فيهم قبل أن ينزل الحكم فيهم ، فهم الذين نفذوا الحكم فيهم إذ ارتضوا المحكم فيهم ، ومن المقررات القانونية أن من ارتضى محكمين ليحكموا فيه ، فقد فوض لهم ، ولهم بهذا التفويض أن يحكموا بما يرونه عدلا ، ولقد حكم ، وهو الذي ذهب إليهم ليحول بينهم وبين تنفيذ نقض الميثاق فردوه ردا نكرا ، وعرف أنهم يريدون اقتلاع الإسلام ، وقتل أهله . ولقد خضع المدبرون منهم لحكمه ، وأدركوا أنه بما قدمت أيديهم ، حتى لقد روى أن حيى ابن أخطب عندما قدم للقصاص قال لرسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم : واللّه ما لمت نفسي في عداوتك ، ولكن من يخذل اللّه يخذله ، ثم أقبل على الناس ، فقال : أيها الناس ، إنه لا يأس بأمر اللّه كتاب وقدر ، وملحمة كتبها ، ثم تقدم لضرب عنقه . وهكذا كانوا يحسون بأن ما نزل بهم قصاص ، وما للناس يقولون كان على النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، أن يشفق عليهم . ومع ذلك إذا لم يقتل رجالهم ، فماذا يصنع معهم ، أيعفو عنهم ، ولو تمكنوا لقتلوه وقتلوا الإسلام ، وشردوا أهل المدينة . إن العفو عن الجاني ظلم في ذاته ، أم يخرجهم من أرضهم ويجردهم من أموالهم ، وذلك لا يخلو من عفو ، وقد قلنا إنه في هذا المقام ظلم ، ثم ماذا يكون إذا خرجوا ، وفيهم أكثر من سبعمائة مقاتل ، ألا يكونون حربا عليه ، ويتجمعوا يؤلبون يهود الجزيرة العربية ، ويكون قد أشفق عليهم لينقضوا عليه إن وأتتهم الفرصة ، كمن يشفق على اللصوص ليجمعوا أمرهم ، ويستلبوه ما يعتز به ، ويأخذوا ما عنده . إنه لم يكن إلا القتل ، كفاء ما صنعوا ، وهم الذين قتلوا أنفسهم بما دبروا وبما فعلوا ، قد يقال أنهم قد صاروا أسري ، والأسرى لا يقتلون ، ونقول في الجواب عن ذلك : إن المسلمين والنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم لم يشدوا الوثاق ، لأنهم منهيون عن ذلك بحكم آية الأسرى إذ يقول سبحانه وتعالى : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا ، وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( الأنفال - 67 ) .