محمد ابو زهره

495

خاتم النبيين ( ص )

وقد قال الحافظ ابن كثير في تاريخه ( البداية والنهاية ) : كان بها - أي يثرب - من أحياء اليهود بنو قينقاع ، وبنو النضير ، وبنو قريظة ، وكان نزولهم بالحجاز قبل الأوس والخزرج ، وقد نزلوا به أيام بختنصر حين دوخ بلاد المقدس فيما ذكره الطبري . ثم لما كان سيل العرم ، وتفرقت اليمن شذر مذر نزل الأوس والخزرج بالمدينة عند اليهود ، فحالفوهم ، وصاروا يتشبهون بهم لما يرون لهم عليهم من فضل العلم بالمأثور عن الأنبياء . وبعد الهجرة قد صار اليهود حانقين على المؤمنين الذين آمنوا ، وعلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ؛ لأنه مبعوث من بين أولاد إسماعيل ، لا أولاد إسحاق ، مع أنهم كانوا يستفتحون على الذين أشركوا به ، ويرجون النصرة في بعثه ، فلما جاء ما عرفوا كفروا به فلعنة اللّه على الظالمين . ويقول ابن القيم إنه بعد الهجرة صارت المدينة المنورة بها أنواع من النفوس ، فكان فيها المؤمنون من المهاجرين والأنصار . وكان فيها اليهود من بنى قينقاع ، وبنى النضير ، وبني قريظة . وفيها المشركون ، وكان من خارجها من يناصبونه العداء . وقد قال رضى اللّه تبارك وتعالى عنه في ذلك : « لما قدم النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم المدينة - صار الكفار معه ثلاثة أقسام ، قسم صالحهم وواعدهم على ألا يحاربوه ولا يظاهروا عليه ، ولا يوالوا عليه عدوه ، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم ، وقسم حاربوه ، ونصبوا له العداوة . وقسم تركوه ، فلم يصالحوه ، ولم يحاربوه ، بل انتظروا ما يؤول إليه أمره ، وأمر أعوانه ، ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره ، وانتصاره في الباطن ، ومنهم من كان يحب ظهور عدوه عليه ، وانتصارهم ، ومنهم من دخل معه في الظاهر ، وهو مع عدوه في الباطن ليأمن الفريقين : وهؤلاء هم المنافقون ، فعامل كل طائفة من هذه الطوائف بما أمره ربه تبارك وتعالى » . كان قدوم النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم المدينة المنورة في هذه الطوائف ، ولكن لم تظهر هذه الأقسام في وقت واحد ، فالنفاق فيما أحسب وكما تدل الوقائع التاريخية لم يظهر إلا بعد النصر في غزوة بدر الكبرى ، وكما سنبين ، ولما شرق بنو قينقاع بهذا النصر ، وأبدوا العداوة ، واعتزموا الشر ، فقوتلوا حتى أخلوا ، عندئذ ظهر النفاق ، وإعلان الإسلام من بعض أعداء النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ومهما يكن من أمر تاريخ ظهور بعض الطوائف ، فإنه من المؤكد أنه كان أمام النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم مشركو قريش الذين ناصبوه العداء ، وأخرجوه من داره ، وإن كان الإخراج أمرا مقدورا ، وأن الهجرة كانت أمرا لا بد منه كما أشرنا ، وكان أمامه اليهود ، وهم يساكنون أهل يثرب ولهم المقام معهم ، يدنيهم المكان والجوار ، ويبعدهم الاعتقاد ، وأمامه الذين اعتزلوا المؤمنين ، فلم يقاتلوه ، ولم يمالئوا عليه أعداءه .