محمد ابو زهره

693

خاتم النبيين ( ص )

قالا له : يا رسول اللّه ، أمر تحبه فتصنعه أم شيء أمرك اللّه به لا بد لنا من العمل به ؟ قال صلي اللّه تعالي عليه وسلم : بل شيء أصنعه لكم ، واللّه ما أصنع ذلك ، إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ، وكالبوكم من كل جانب ، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم إلي أمر ما . قال سعد بن معاذ : يا رسول اللّه قد كنا نحن وهؤلاء علي الشرك باللّه ، وعبادة الأوثان لا نعبد اللّه ولا نعرفه ، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا شراء أو بيعا ، أفحين أكرمنا اللّه تعالى بالإسلام ، وهدانا إليه ، وأعزنا به وبك تعطيهم أموالنا ، واللّه ما لنا بهذا من حاجة ، واللّه لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم اللّه بيننا وبينهم . قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم : فأنت وذاك . فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ، وبذلك انتهت إرادة الصلح ، إن كانت . وقد أفاد عرض الصلح أمرين عظيمين . أولهما : أن النبي صلي اللّه تعالى عليه وسلم علم عزمة أصحابه ، وأنهم يريدون لقاءهم . ثانيهما : أن ذلك أطمع غطفان ومن معها من القبائل ، والطمع إذا سكن حل العزيمة وقد ترتب علي ذلك الإطماع ، أنهم تململوا بطول الحصار وجري بينهم وبين القرشيين خلاف ، وهموا أن يعودوا من حيث جاؤوا من غير أن ينالوا شيئا . 465 - بهذا العرض خذل النبي صلي اللّه تعالى عليه وسلم بين قريش وبين من جاؤوا بهم من الأعراب ، وبقي أن يخذل بين اليهود وبين المشركين ، وساق اللّه تعالى إليه من رضي بأن يكون لسان ذلك التخذيل . فقد أتي رجل من غطفان هو نعيم بن مسعود وقال : يا رسول اللّه إني قد أسلمت ، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت ، فقال صلي اللّه تعالى عليه وسلم : إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت ، فإن الحرب خدعة . خرج نعيم بن مسعود حتى أتي بني قريظة وكان لهم نديما في الجاهلية فقال : يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم ، إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم ، البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم ، لا تقدرون علي أن تجلوا منه إلي غيره ، وإن قريشا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه ، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره ، فإن رأوا نهزة أصابوها وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم ، وخلوا بينكم وبين الرجل ، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم ، فلا تقاتلوا مع القوم ،