محمد ابو زهره
685
خاتم النبيين ( ص )
كان حفر الخندق في ذاته عملا شاقا مجهدا ، وقد أقبل عليه المؤمنون ببشر وترحاب ، وكانوا ينشدون الرجز : والنبي يشاركهم بأن يقول معهم آخر كلمات الرجز الذي ينشدونه وكان النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم يقول ما يناسبه مما يثير همة المؤمنين بالدعاء لهم . فيروى أنه كان يقول : اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة وذلك تشجيع للعمل ، وترنم بما يرجو المؤمنون . وهم ينشدون : نحن الذين بايعوا محمدا * على الإسلام ما بقينا أبدا وينشدون أيضا : واللّه لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا * وثبت الأقدام إن لاقينا إن الأولى قد بغوا علينا * إذا أرادوا فتنة أبينا كانوا ينشدون هذه الأشعار ، والنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم لا ينشد الأشعار ، ولا ينبغي الشعر له . فما كان يتابعهم في البيت من الأبيات ، ولكنه كان يجهر بالقافية معهم مشاركة في الوجدان والإحساس من غير أن يقول ما لا ينبغي له أن يقوله . وهكذا كان شأنه صلى اللّه تعالى عليه وسلم في كل ما كانوا ينشدونه يشاركهم في النشيد باخر القوافي . 460 - ولقد اقترن حفر الخندق بمشقة شديدة إذ ابتدأ في غداة يوم شديد البرودة . وقد قسم رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ما يحفر من الخندق بين صحابته من الأنصار والمهاجرين فكان يجعل لكل عشرة من الصحابة رضوان اللّه تعالى عليهم أربعين ذراعا . وقد اختلف الصحابة فيمن يكون سلمان الفارسي منهم . لأنه صاحب الفكرة التي هداه اللّه تعالى إليها . ولقد قال النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم : سلمان منا آل البيت . ولقد كان العمل شاقا ، ولم يكن القوت كافيا ، لأن كثيرين من الصحابة قد انقطعوا عن موارد أرزاقهم ، فاجتمع لديهم شدة العمل وقسوته والجوع . ولكن الإيمان كان يخفف كل شدة ، والصبر يوجد قوة احتمال ، ورعاية اللّه تعالى فوق كل شدة .