محمد ابو زهره

668

خاتم النبيين ( ص )

ولذلك نزل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( المائدة - 90 ) وقد كان التحريم مشددا ذاكرا سبحانه وتعالى حكمته بأنها توقع العداوة والبغضاء ، وقد ذكرنا ما كان بين على وعمه حمزة ، لولا أنهما من بيت النبوة وكنفها ، وأنها تصد عن ذكر اللّه لأنها تضعف صوت الضمير ، وتجعله في غفوة ، فلا يدرك الخير ، وهي تصد عن الصلاة ، وحسبها هذه الأمور شرا . وهنا نلاحظ أنه كان ذلك الإصلاح الاجتماعي بعد الحرب ، لأن المجتمع الفاضل يجب أن يحمى نفسه من العدو والمهاجم المردي ، ويحمى نفسه من المآثم الداخلية ، فكان جهاد النفس في محاربة الخمر وإجلاء شيطانها بعد محاربة اليهود ، وإجلائهم ، فاجتمع الجهادان . أثر غزو بنى النضير في يهود 449 - ذكرنا بنى النضير ، وكيف أظهروا ما كمن في نفوسهم من شر ، وهموا بقتل النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، حتى اضطر النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم لإجلائهم ، لأنه لا يعيش والحيات والأفاعي بجواره ، ينقضون العهود والمواثيق ، ويريدون فرصة للانقضاض عليه ، لينتهزوها . وإن اليهود في ماضيهم وحاضرهم لا يؤمنون إلا بالقوة ، فإن رأوها خضعوا وذلوا ، ونافقوا ، وربما يكون منهم من تهديه صدمة القوة إلى الحق . ولم يكن بالمدينة المنورة من اليهود إلا بنو قريظة ، فأرعدوا في أنفسهم ، وكان منهم من يفكر في الرجوع إلى الذي يعرفونه كما يعرفون أبناءهم . كان منهم رجل ديان باليهودية ، وهو عمر بن سعدى القرظي ، فأقبل على أرض بنى النضير بعد جلائهم ، فلما طاف بمنازلهم ورأى خرابها ، وقد صارت يبابا ليس بها داع ولا مجيب . فهداه ما رأى عليه حال إخوانه إلى أن ينظر في التوراة ، وما فيها من صفة رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ومال قلبه لأن يعلن ما كتموه ، وأن يظهر ما أخفوه ، وقد بدت العبر . التقى بقومه من بني قريظة وقال لهم : رأيت اليوم عبرا ، قد عبرنا بها ، ورأيت منازل إخواننا خالية بعد ذلك العز والمجد والشرف الفاضل ، والعقل البارع ، قد تركوا أموالهم ، وملكها غيرهم ، وخرجوا خروجا ذليلا . . . وأوقع ببنى قينقاع ، فأجلاهم وهم أهل عدة وسلاح ونجدة ، فحصرهم ، فلم يخرج إنسان منهم وأسر باقوهم ، حتى سباهم ، وكلم فيهم ، فتركهم على أن أجلاهم من يثرب .