محمد ابو زهره

659

خاتم النبيين ( ص )

والصحابة قد استطالوا الزمن ، وركبتهم ظنون الغدر ، وكما قال ابن إسحاق : استلبثوا النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، أي اعتقدوا أنه لبث زمنا طويلا ، فسألوا عنه رجلا مقبلا من المدينة المنورة داخلا المدينة . أقبل أصحاب رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم حتى انتهوا إليه ، فأخبرهم صلى اللّه عليه وسلم بحركاتهم ، وبما كانوا قد أرادوا من الغدر . إجلاؤهم : 445 - لم يجيبوا داعيه إلى المعاونة التي يفرضها عليهم العهد الذي عاهدوا عليه ، وأعطوه كلاما لينا ، ودبروا تدبيرا خبيثا ، وكان ذلك غدرا في العهد ابتداء ، وما كان ليرضى أن يعيشوا معه ، وهم ينقضون الميثاق الذي وثقه عليهم ، ووفى به من جانبه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، والمواثيق عهود فيها واجبات وحقوق متبادلة تلزم كل فريق ، بمقدار ما يلزم الآخر ، ولا يمكن أن يكون جوار حسن من غير عهود توفى ، ومواثيق تربط بالمودة ، أو بالوفاء ، فكان الجلاء أمرا لا بد منه ، وفوق ما علمه النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم من إرادة الغدر به ، والقضاء عليه ، فلم يكن لبقاء الجوار مكان ، وكان على أخفهم حملا ، وأقلهم عددا أن يرحل ، ويترك الأرض لأهلها ، يعيشون في أمن واستقرار فلا يعيش الثعبان بين ظهورهم . بعث رسول اللّه يأمرهم بالخروج من جواره لنقضهم العهد أولا ، إذ لم يعينوا في دية الرجلين ولأنهم هموا بالغدر ثانيا ، وإذا كانوا يدعون أنهم لم يفعلوا مع علم النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم اليقيني بذلك فإنهم يكفيهم نقض الميثاق في المعاونة ، ولا سبيل لإقامتهم معه من غير وفاء بعهد وثقوه . أرسل لهم محمد بن مسلمة أن يخرجوا ، وأرسل إليهم عبد اللّه بن أبي بن سلول ينهاهم عن الخروج ، وأنهم معهم ، ولئن قوتلوا ليقاتلن معهم . ويقول ابن كثير في تاريخه : بعث إليهم أهل النفاق يثبتونهم ، ويحرضونهم على المقام ، ويعدونهم النصر ، فقويت عند ذلك نفوسهم ، وحمى حيى بن أخطب ، وبعثوا إلى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ونابذوه بنقض اليهود . أعلنوا بهذا نقض الميثاق جملة لا الجزء الخاص بالاستعانة في الديات ، فكان هذا إعلانا للحرب من جانبهم . وما كان النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ليتركهم ينقضون العهد ، ويهمون بالغدر في غير اكتراث بعهد ولا حسن جوار ويهمون بالقتال ولا يقاتلهم .