محمد ابو زهره
576
خاتم النبيين ( ص )
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ ، فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( الأنفال - 26 ) . هذه إشارة إلى أثر ذلك النصر المبين في البلاد العربية ، لقد نظر إليه العرب على أن الإسلام هو القوة الحقيقية في البلاد العربية ، وكان من ذلك أن أخذ الناس يفكرون . هذا أثره بشكل عام في الجزيرة العربية ، أما أثره في المدينة المنورة وما حولها ، فقد صار القوة المرهوبة فيها ، وكان فيها أخلاط من الوثنيين الذين بقوا على وثنيتهم من الأوس والخزرج ، وكانوا يظهرون عقائدهم ولا يخفونها ، وكان فيهم يهود ، قد أكل الحقد قلوبهم وإن أخفوه ، وإن كانوا يعرفون في لحن القول وفي استهزائهم بالمؤمنين أحيانا . فلما ظهرت قوة المسلمين في بدر ، وجد في الفريقين منافقون يظهرون الإسلام بألسنتهم ، ويخفون الكفر ، ويقولون ما لا يفعلون ، وينطقون بما لا يعتقدون ، ولقد نزلت فيهم سورة كاملة ، وأولها قوله اللّه سبحانه وتعالى : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ . اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ، فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ( المنافقون - 1 : 3 ) . فالقوة الإسلامية التي ظهرت في بدر ، هي التي جعلت هؤلاء من المشركين واليهود ، يتخذون مظهرهم الإسلامي جنة يتقون بها قوة أهل الإسلام ويشيعون الخبال في صفوف المسلمين ، ويخدعون الذين في قلوبهم ضعف . إن قوة المسلمين جعلت من لا يؤمن باللّه سبحانه وتعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام يخضع ببدنه ولا يؤمن بقلبه . كان ذلك في السنة الثانية التي كانت فيها غزوة بدر . قال ابن كثير « وفيها خضع المشركون من أهل المدينة المنورة واليهود الذين هم بها من بنى قينقاع ، وبنى النضير ، وبني قريظة ، ويهود بنى حارثة ، وصانعوا المسلمين ، وأظهر الإسلام طائفة كثيرة من المشركين واليهود ، وهم في الباطن منافقون ، منهم من هو على ما كان عليه ، ومنهم من انحل بالكلية فبقى مذبذبا ، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، كما وصفهم اللّه تعالى في كتابه » . وهو بهذا يشير إلى قول اللّه سبحانه وتعالى : إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ ، وَهُوَ خادِعُهُمْ ، وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى ، يُراؤُنَ النَّاسَ ، وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا . مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ ، لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ( النساء - 112 : 143 ) .