محمد ابو زهره
572
خاتم النبيين ( ص )
بيان اللّه تعالى لخطأ الأسر 390 - نزل القرآن الكريم من بعد القيام بما اتجهت إليه الشورى بالنسبة للأسرى ببيان الخطأ في أن المسلمين أسروا قبل أن يثخنوا ، وهو ما كان يميل إليه سعد بن معاذ الأنصاري رضى اللّه تبارك وتعالى عنه ، ولقد ذكر الخبر كما رواه ابن إسحاق « أنه لما وضع القوم أيديهم يأسرون رأى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم في وجه سعد بن معاذ ، فقال له : كأني بك يا سعد تكره ما يصنع القوم . قال : أجل واللّه يا رسول اللّه كانت أوّل وقعة أوقعها اللّه تعالى بأهل الشرك ، فكان الإثخان في القتل أحب إليّ من استبقاء الرجال » ولقد قال اللّه سبحانه وتعالى بعد إنهاء ما أشار إليه الشورى : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا ، وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ . فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى ، إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً ، يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( الأنفال - 76 : 70 ) . إذن كان الخطأ ، لا في أنهم فدوهم ، ولا في أنهم منوا عليهم ، ولكن في أنهم أخذوا الأسرى قبل الإثخان ، أي قبل أن يثقلوهم بالجراح ، حتى لا يستطيعوا أن يثيروا عليهم معركة أخرى ، أو تكون صعبة عليهم لكثرة القتلى ، ومن بعد ذلك يكون الأسر ، ويكون المن أو الفداء ، كما قال اللّه سبحانه وتعالى : فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ ، حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ ، فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ ، وَإِمَّا فِداءً ، حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ( محمد - 4 ) . ويجب أن نذكر هنا ثلاثة أمور : أولها - في معنى قول اللّه سبحانه وتعالى : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ فإن الكتاب الذي قرره اللّه سبحانه وتعالى ، هو أنه لا عقوبة إلا بنص على المنع ، ولم يكن ثمة نص على منع أخذ الأسرى ، قبل الإثخان ، وإن ما فعله النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم اجتهاد ، ولا عقوبة على الاجتهاد في الخطأ . ثانيا - أن كثيرين ممن كتبوا في الماضي - وتبعهم أهل الحاضر - أن القرآن الكريم نزل موافقا لرأى الإمام الفاروق عمر بن الخطاب رضى اللّه تعالى عنه ، في الأسرى ، ونحن نرى أن ما جاء به القرآن الكريم لا يوافق رأى الفاروق ، لأن ما جاء به القرآن الكريم ، إنما كان معارضة لأصل الأسر قبل الإثخان ، ولم يعترض الفاروق على الأسر قبل الإثخان .