محمد ابو زهره

9

خاتم النبيين ( ص )

[ تمهيد ] الاضطراب الفكري : 1 - في القرن الخامس الميلادي وما يليه ، كان العالم الإنسانى يموج بالشر ، وتضطرب النفوس ، واستحكمت الأهواء ، وتفرق بنو الإنسان ، حتى صار القانون السائد المسيطر ، الحق هو القوة ، والقوة هي الحق ، فشاهت الأفكار ، وتقطعت الأسباب . وصار ابن ادم ينقض ما أبرمته الفطرة ، ويحل الرابطة الإنسانية الجامعة ، وعجز العقل عن أن يحكم بين الناس ، بل إنه اتخذ العقل مطية لتبرير الباطل ، وتزييف الحق ، والعبث بالميراث الإنسانى للنبيين من بعد إبراهيم وموسى وعيسى ، وشوهت المفاسد تعاليم موسى وعيسى ، وغيرهم من الأنبياء المرسلين ، فالنصارى قد استسلموا لحكم الأباطرة وزكوه ، بل أيدوه ، وتفرقوا ، وصار بأسهم بينهم شديدا ، وأغرى الله سبحانه وتعالى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة . فالملكانيون تحكموا في اليعقوبيين ، حتى نفروا منهم . واليهود شوهوا تعاليم موسى عليه السلام فضربت عليهم الذلة والمسكنة ، وصاروا مع فساد قلوبهم ، لا وجود لهم إلا بمعونة قوى يريد أن يكون غالبا لهم ولغيرهم ، وتسربلوا سربال العداوة لبنى الإنسان جميعا ، إذ يعطون لأنفسهم من الصفات العقلية ، والمزايا الدينية ما ليس فيهم وينكرونه في غيرهم ، حتى زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه ، وأنهم شعب الله المختار ، وزعموا لغيرهم المنزلة الدون ، وكانوا يقولون عن العرب الذين نكبوا بمعاشرتهم . . لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ . . « 1 » ، فهم يأخذون منهم بالحق والباطل ، ولا يعطونهم شيئا لأنه لا سبيل لهم بحق ، ولا بغيره . 2 - وكان الأقربون والأبعدون ، والقاصون والدانون في اضطراب فكرى ، وعجز العقل البشرى عن أن يحل مشاكل هذا الوجود . فتاه العقل في معرفة أصل الوجود ، ولم تستطع الفلسفة الأيونية أن تحل مشكلة أصل الوجود ، ولا أن تصل إلى منشئه ، مما أثبت أن العقل مهما يؤت لا يستطع أن يفسر سر الظواهر ، فهو يعرف مظاهر الأشياء ، ولا يعرف الأسرار المستكنة الباعثة ، يعرف مظاهر الحرارة والكهرباء ولا يمكن أن يعرف ما يحركها ، إلا إذا اتجه إلى معرفة المؤثر من الأثر ، والمنشىء مما أنشأ . ولكنه - وقد غمر بالمحسوسات ، ومظاهر القوى ، دون أن يعرف مصدرها ، عمى عن الأصل وشغل بالفرع ، فتاه في هذه السماء ، وصار في عمياء ، لا يعرف المبتدأ وإن عرف مظاهره . ومع ظهور الأديان السماوية ، واختتامها بالإسلام لا يزال العقل ، وهو مأسور بما يحس ، لا يعرف ما وراء المحسوس ، وكل ما تراه من سيطرة العقل ونفاذه لا يتجاوز المظاهر واستخدامها ، وهو يجهل باعثها ، ولا يعرف منشئها إلا إذا كان ينفذ من المظهر إلى المنشئ المكون .

--> ( 1 ) آل عمران : 75 .