محمد ابو زهره

45

خاتم النبيين ( ص )

ولا يرضون بالذل ، ويتحملون الشدائد ، وليس ذلك إلا في العرب ، وأرض العرب ، ولذلك ما أن انطلقوا بالإسلام إلا خرجوا من ديارهم يدعون إلى الحق ، ويهدون إليه من غير توان ، ولا فرار ، ولا يأس ، ولا يتركون البأس إلى الرخاء . . لأنهم تحملوا الام الصحراء . وترى لو تصورنا أرضا للنبوة في غير أرض العرب ، أتكون في أرض القياصرة حيث تطامن العامة لحكم القيصر ، وديثوا بالصغار له نفوسهم ، حتى حسبوه من طينة غير طينتهم ، وحيث يختلفون في كل شيء ، وحيث لا يحكم بينهم إلا الهوي ، وحيث العنصرية الجاثمة على الرؤس ، وحيث رق النفوس لهوى الحكام ، والخروج على كل منطق للمساواة الإنسانية . وإذا لم يكن الرومان ، أفتكون أرض الفرس هي أرض النبوة ، وكسراهم فرض عليهم المذلة والهوان ، وتوزعتهم سيادة الأشراف ، حتى إذا بعدوا عن ذل الملك ، وجدوا ذل الحاشية ، ووجدوا أنهم يتنقلون في الذل والهوان ، وقد لانت نفوسهم ، وخنغوا وهانوا أمام الملوك ، وهل هؤلاء في ذلتهم هم الذين يحملون دعوة الإسلام إلى العزة ؟ وهل هم في رقهم النفسي هم الذين يدعون إلى الكرامة الإنسانية التي سجلها الله تعالى في قوله تعالت كلماته : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ، وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ، وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا « 1 » . لا يمكن أن تكون دعوة الحق ممن تمرسوا بالظلم ، حتى أمات نخوتهم أو ممن ألفوا الخضوع ، حتى لا يستطيعوا التفصي عنه ، والخروج منه ، ولا ممن قنعوا بالحياة الدون ، ورضوا بالهون ، إنما لا يدعو إلى العزة ولا إلى الحرية إلا الأحرار . وهل تتصور أن تكون أرض الفراعنة هي التي تدعو إلى إسقاط حكم الفراعنة ، وإعلان أن الناس قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ، وما انتقلوا من حكم الفراعنة إلا لمن هو أطغي ، وأشد بغيا ، وأكثر عتوا وفسادا ، فهم يسارعون في الذل والهوان ، وينتقلون فيه من قطاع إلى قطاع ، ومن جانب إلى جانب ، لا يتململون ، ولا يضجون ولا يثورون لقهر قاهر ، أو ظلم ظالم ، بل إنهم يألفون الخضوع حتى يحسب الدارس لهم أنهم يستطيبونه ، ويستمرئونه ، ويعاونون من يذلهم وينغضون رؤسهم على من يحاول أن يبث فيهم روح العزة والكرامة ، بل يحسب أنهم يجدون العزة عبئا لا يمكن احتماله ، وحملا لا يمكن حمله ، ووزرا يرزحون تحته . قال لهم فرعون : أنا ربكم الأعلي ، فصدقوه . وقال لهم : أليس لي ملك مصر ، وهذه الأنهار تجرى من تحتى فلم يكذبوه . وقال لهم : ليس لكم من إله غيري ، فقالوا : أنت الإله . لقد تضعضعت نفوسهم ، حتى ألفوا الذلة فصبت عليهم ، وقبلوا أن يكونوا قوما بورا .

--> ( 1 ) سورة الإسراء : 70 .