محمد ابو زهره
28
خاتم النبيين ( ص )
وقد سيطرت الوثنية على أعمالهم حتى لقد ورد عن أبي رجاء العطاردي أنه قال : « كنا في الجاهلية إذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من التراب فحلبنا عليها ثم طفنا بها » . لم ينسوا الله في وثنيتهم : 24 - لقد أغرم العرب بعبادة الأوثان إغراما شديدا ، حتى صارت جزا من مداركهم وعقولهم ، وأصبحوا يستنصرون بالأحجار ، ويظنون أنها تجيب سؤلهم ، ولكنهم مع ذلك لم ينسوا الله تعالى خالق هذا الوجود ومنشئه ، وكانوا كما قال تعالى عنهم : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ « 1 » . وهنا تفترق الوثنية الرومانية واليونانية عن وثنية العرب ، إذ أن وثنية العرب فيها إيمان بالله ، وإن لم يكن واحدانية ، بل كانوا يشركون مع الله تعالى غيره ، أما الآخرون فقد كانت نظرية الحلول تسرى فيهم ، ولا يجيء في وثنيتهم ذكر الله تعالى قط . والسبب الجوهري في هذه التفرقة أن الأصل عندهم هو التوحيد ، كما تلقوه عن إسماعيل وإبراهيم عليهما السلام ، فكان بقية مما وصى به إبراهيم بنيه ويعقوب ، كما قال تعالى في كتابه الكريم وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ ، فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ « 2 » . الأمر الثاني - هو احترام الكعبة والبيت الحرام ، وهو ما ورثوه عن إبراهيم عليه السلام ، فقد كانوا مع وثنيتهم فيهم بقايا من عهد إبراهيم من تعظيم البيت والطواف والحج والعمرة والوقوف على عرفات والمزدلفة وهدى البدن ، والإهلال بالحج والعمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه ، ويقول ابن إسحاق في سيرته : كانت كنانة قريش إذا أهلوا قالوا : لبيك اللهم لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك . فيواحدونه بالتلبية ، ثم يدخلون معه أصنامهم ، ويجعلون ملكها بيده ، ويقول تعالى لمحمد وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ . « 3 » ومن أجل أن العرب كانوا يحاولون الجمع بين إيمانهم بالله تعالى وإيمانهم بالأوثان نقول أن إيمانهم بالأوثان لم يكن قويا مستغرقا كما ال إليه أمرها عند الرومان ، وخصوصا قبل البعث المحمدي ، كما أن إيمانهم بالله تعالى لم يكن صحيحا ، لأن الإيمان بالله لا يتحقق إلا إذا كان المؤمن يؤمن بواحدانيته لا يشرك به أحدا في ذاته ولا في الخلق والتكوين ، ولا في العبادة ، فلا عبادة إلا لله تعالى واحده .
--> ( 1 ) سورة لقمان : 25 . ( 2 ) سورة البقرة : 132 . ( 3 ) سورة يوسف : 106 .