محمد ابو زهره
26
خاتم النبيين ( ص )
وهكذا نرى المسيحية التي خلفت المسيحية الحقيقية التي جاء بها المسيح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، جاءت إلى النفوس قلقة غير مستقرة ، بل إنها مضطربة غير ثابتة . فإذا كانت أوثان الرومان قد فقدت قوة تأثيرها ، وحل في ربوع الوثنية ديانة تأخذ من اليهودية طرفا بأخذها بأحكام التوراة إلا ما خالف الأناجيل ، وتأخذ من الوثنية بأطراف ، ولا تكاد تأخذ من الدين الحقيقي شيئا - فإن ذلك المزيج الجديد لم يستقر ، بل جاء مضطربا واهنا حتى نهاية القرن السادس الهجري ، فكانت النفوس مهيأة لدين جديد هو الدين الحق . العرب 22 - طفنا بتفكيرنا حول العالم من غربه القريب والبعيد ، إلى شرقه الأدنى والأوسط والأقصي ، ولم نعرج على البلاد العربية ، ونحسب أنها القلب ، وأنها ذؤابة الفكر الأدبي ، فإليها تأرز الحقائق الدينية قديما وحديثا ، ومنها خرجت أصوات الأنبياء ، خرجت ابتداء من أطرافها ، ثم ختمت الرسالة الإلهية في قلبها ، ولقد هاجر إبراهيم أبو الأنبياء إلى بلاد العرب وولد فيها ولده إسماعيل الذي كان أول البشرى وحمد الله على ولادته ومن بعده إسحاق ، والأول من جاريته هاجر . والثاني من زوجته سارة ، وقال من بعدهما الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ . وقد كان من ولده إسماعيل قريش الذين كانوا ذؤابة العرب ، ولهم مكانة الزعامة فيهم ، كما سنبين عند الكلام عن الكعبة المكرمة ، فإليهم يأرزون ، وإلى تلك البنية يحجون . وكانت قريش ومن يتبعونها على الدين الذي جاء به أبو الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، فكانوا في أصلهم مواحدين لا يعبدون غير الله تعالى ، فلا يعبدون صنما ، ولا حجرا ، ولا حيوانا ، وليس فيهم ألوهية لمخلوق إلا ما كان ممن وفدوا إليهم من النصارى كنصارى نجران ونصارى تغلب وغيرهم . . وقد كان يقوى توحيدهم صلتهم بإبراهيم عليه السلام ، وشرفهم في الانتساب إليه عن طريق ولده إسماعيل عليه السلام ، ولكن طرأ عليهم ما حالت به أحوالهم ، وتغيرت بسببه عقائدهم ، وذلك لتقادم الزمن بينهم وبين إسماعيل عليه السلام حتى نسوا ما عرفوا . دخول الوثنية أرض العرب : 23 - تواردت عبادة الأوثان على النفس العربية ، والتفكير العربي من نواح ثلاث : أولاها - أن بقايا من الديانات القديمة كانت فيها وثنية ، وإن لم تكن سائدة في البلاد ، فقوم نوح كان فيهم وثنية ، وقيل إنه كان عربيا ، أو خاطب العرب ، وقد قص الله خبر أوثانهم فقال تعالى :