محمد ابو زهره

22

خاتم النبيين ( ص )

والآلام يجعلهم في حاجة إلى عزاء من الدين ، وسلوى بالجزاء في يوم اخر غير يوم الشقاء الذين يعيشون فيه ، والعامل الثاني الذي أضعف هذه السلوى هو أن الالهة التي تمثلوها في الأوثان في زعمهم قد فقدت قوة تأثيرها . وقد أرادت الفلسفة أن تحل محل الأديان ، ولكنها لم يكن لها تأثيرها ، فاتصلت بالأديان والتقت بها التقاء تعاون ، وليس التقاء تخاصم وتناحر ، كما كان الشأن بينهما . جاء في كتاب ( المباديء الفلسفية ) « إن الفلسفة استخدمت نظريات علوم اليونان لتهذيب الآراء الدينية ، وترتيبها والتقدم بها إلى الشعور الديني اللجوج بفكرة في العالم قد تقنعه . فأوجدت نظما دينية تتفق مع الأديان في النظر فيما وراء المادة اتفاقا يختلف قلة وكثرة » . وهنا نجد الفلسفة اليونانية التي تسمى الأفلاطونية الحديثة تحاول الالتقاء بالديانتين اللتين كانتا بارزتين في ذلك الإبان ، وقد تخاذلت وثنية اليونان والرومان عن أن تقف واحدها في الميدان ، فأتى بآراء في خلق العالم تقرر أن منشيء الكون الجدير بالعبادة في نظرها يشتمل على ثلاثة أمور : أولها - أن الكون صدر عن منشيء أزلي دائم لا تدركه الأبصار ولا تحده الأفكار ولا تصل إلى معرفة كنهه الأفهام . ثانيها - أن جميع الأرواح شعب لروح واحدة ، وتتصل بالمنشيء الأول بواسطة العقل الذي صدر عن المنشيء صدور المعلول عن علته ، فهما متلاقيان في القدم . ويصبح التعبير عن المنشيء الأول بالأب وعن العقل بالابن ، وإن كان أحدهما ليس متخلفا عن الاخر في الزمان . ثالثها - أن العالم في تدبيره وتكوينه خاضع لهذه الثلاثة . التثليث في الفلسفة : 18 - وخلاصة القول أن المنشيء الأول هو مصدر كل شيء ، وإليه معاده لا يتصف بوصف من أوصاف الحوادث ، فليس بجوهر ، ولا بعرض ، فليس بفكر كفكرنا ، ولا إرادة كإرادتنا ، ولا وصف له إلا أنه واجب الوجود ، يتصف بكل ما يليق به ، يفيض على كل الأشياء بنعمة الوجود ، ولا يحتاج هو إلى موجد له . وأول شيء صدر عن هذا المنشيء في نظر صاحب تلك المدرسة - وهو أفلوطين - هو العقل ، صدر عنه كأنه متولد منه ، ولهذا العقل قوة الإنتاج ، ولكن ليس كمن تولد عنه .