مولانا محمد علي ( تعريب : منير بعلبكي )

56

حياة محمد ورسالته

وهكذا سار ذلك الزعيم ، أبرهة [ الأشرم ] على رأس جيش عظيم قاصدا مكة لكي يدكّها دكا . وعسكر على مبعدة ثلاث مراحل من مكة ، وبعث إلى المكيين رسولا يبلغهم الغرض الذي من أجله جاء . وفي غضون ذلك احتجز رجال أبرهة [ مئة ] بعير لعبد المطلب . فلم يكن من عبد المطلب إلا أن وفد بنفسه على الزعيم ليسأله ردّ إبله . وتأثر أبرهة تأثرا عظيما بمظهرة المهيب ، فسأله ما الذي دعاه إلى الوفود عليه ، معتقدا من غير ريب أنه أقبل ليلتمس منه الإبقاء على البيت المقدّس . فأجابه عبد المطلب انه إنما أقبل ليسأله ردّ إبله . فعجب أبرهة لهذا الجواب غير المتوقّع وأبدى استغرابه لقلق عبد المطلب البالغ على إبله وعدم قلقه على الكعبة [ قائلا لترجمانه : « قل له لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم زهدت فيك حين كلّمتني ] أتكلّمني في مئة بعير أصبتها لك وتترك بيتا [ هو دينك ودين آبائك ] قد جئت لأهدمه لا تكلمني فيه ؟ » ، فقال له عبد المطلب : « اني أنا ربّ الإبل ، وإن للبيت الحرام ربا سيمنعه . » وإذ وجد القرشيون أنفسهم أضعف من أن يقاوموا أبرهة أخلوا مكة ونصبوا خيامهم في الكثبان المجاورة . وفيما هم يغادرون مكة أخذ عبد المطلب بستار من أستار الكعبة ، وراح يستنصر اللّه قائلا : « اللهم هذا بيتك . اننا نشعر اننا أضعف من أن نحميه ، فتولّ أنت حمايته بنفسك . » ويقول المؤرخون ان الجدري تفشّى ، في غضون ذلك ، بجيش أبرهة تفشيا ليس أقوى منه ولا أعنف ، محدثا في صفوفه ذعرا رهيبا ، مهلكا القسم الأعظم من رجاله . أما سائره فلاذ بالفرار في اختلاط كامل وفوضى مطلقة . وإليك وصف القرآن الكريم لهلاك جيش أبرهة : « أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ . أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ . وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ تَرْمِيهِمْ