مولانا محمد علي ( تعريب : منير بعلبكي )
47
حياة محمد ورسالته
يؤيد هذا تأييدا كافيا ذلك الحديث الذي دار بين يوحنا المعمدان وأولئك الذين وفدوا عليه ليسألوه : « من أنت ؟ فاعترف ولم ينكر واقرّ اني لست أنا المسيح . فسألوه اذن ماذا ؟ إيليا أنت ؟ فقال لست انا . ذلك النبي أنت ؟ فأجاب لا . » ( سفر يوحنا 1 : 19 - 21 ) . وهذا يظهر على نحو يقينيّ ان اليهود كانوا يترقبون ظهور ثلاثة أنبياء مختلفين . أولهم إيليا الذي اعتقدوا انه سوف يظهر بشخصه كرة أخرى على هذه الأرض ، وثانيهم المسيح ، وثالثهم نبيّ ذو شهرة كليّة إلى درجة رأوا معها ان من غير الضروري نعته بأيّ وصف مميّز - كان قولهم « ذلك النبي » كافيا للدلالة على من يعنون . ذلك كان مدى الشيوع والانتشار اللذين حظيت بهما بين اليهود نبوءة موسى في ما يتصل بظهور نبيّ مثله . ومن هنا يتضح ان اليهود كانوا ، قبيل ظهور يسوع مباشرة ، يرتقبون ثلاثة أنبياء ، وفقا لما تنبأ به كتابهم المقدس : - المسيح ، وإيليا للمرة الثانية ، والنبي الذي هو مثل موسى . ولقد تحقّقت اثنتان من هذه النبوآت في شخصي يسوع ويوحنا ، وقد أعلن الأول انه المسيح ، وأعلن الثاني انه بعث في روح إيليا . ولكن أيا منهما لم يدّع أنه النبي الموعود ، المماثل لموسى . لا ، ولم يعتبرهما أحد من الذين آمنوا بهما ذلك النبيّ الموعود . وبظهور يسوع انقطعت سلسلة النبوّة بين اليهود . وهكذا ظلت نبوءة « سفر تثنية الاشتراع » حول نبيّ مثل موسى غير محقّقة بقدر ما يتعلق الأمر بالاسرائيلين . فإذا قلبّنا صفحات تاريخ العالم لم نجد أيما نبيّ غير محمد عليه السلام أعلن انه النبي الذي تنبأ موسى بظهوره ، ولم نجد أيما كتاب مقدس غير القرآن الكريم أشار إلى تحقّق النبوءة في شخص امرئ ما . والوقائع أيضا تؤيد هذا الاستنتاج نفسه . فقد كان موسى صاحب شريعة ، وكذلك كان محمد صلوات اللّه وسلامه عليهما . وليس بين الأنبياء الاسرائيلين الذين خلفوا موسى أيما نبي جاء قومه بشريعة