مولانا محمد علي ( تعريب : منير بعلبكي )

35

حياة محمد ورسالته

عن الآباء والأجداد ، وما هي إلا فترة يسيرة حتى ماتت الحركة الدينية اليهودية ميتة طبيعية ، مخلّفة العرب كما كانوا من قبل . وعقبت ذلك موجة اصلاح أخرى . فقد شرع المبشرون النصارى يتدفقون على بلاد العرب في القرن الثالث للميلاد ، واستقروا في نجران . وإنما عزّزت نشاطاتهم التبشيرية تعزيزا كبيرا بالسلطان الزمني الذي كان للدولتين النصرانيتين المجاورتين لبلاد العرب : الدولة الحبشية في الغرب ، والإمبراطورية الرومانية في الشمال . ومن ثم اعتنقت مقاطعة نجران كلها ، الواقعة بين عسير وصنعاء ، الديانة النصرانية . ولكن النصرانية لم توفّق إلى التقدّم إلى أبعد من ذلك . فباستثناء قلة قليلة من المتنصّرين المنتثرين ههنا وههناك لم تحدث النصرانية غير أثر ضئيل في بلاد العرب نفسها . وهكذا انتهت إلى اخفاق كليّ هذه المحاولة الثانية لاصلاح الجزيرة العربية . أما الموجة الاصلاحية الثالثة التي انطلقت في بلاد العرب فكانت حركة داخلية . فقبيل بزوغ الاسلام مباشرة ، انبثقت « مدرسة فكرية » جديدة عرف أصحابها ب « الحنفاء » . لقد ازدرت هذه العصبة الصغيرة الوثنية ، ولكنها لم تكن أكثر ميلا إلى اليهودية أو النصرانية . لقد عبد أفرادها إلها واحدا ، بيد أنهم لم يجشّموا أنفسهم عناء العمل على اصلاح الحياة الاجتماعية في بلادهم . وليس من ريب في أن كراهية « الحنفاء » لعبادة الأوثان حملت بعضهم على الدخول في حظيرة النصرانية ، من مثل ورقة بن نوفل ، ابن عم خديجة ، وعبد اللّه بن جحش ، ابن أخي حمزة ، ولكن عدد هؤلاء كان صغيرا لا يستحق الذكر . إن كثرة الحنفاء الكاثرة لم تجد ما يرضي نفوسها في النصرانية واليهودية على السواء . وأبرز هؤلاء زيد بن عمرو بن نفيل ، عمّ عمر ، وأمية [ ابن أبي الصلت ] الشاعر الشهير وزعيم الطائف . ولم تكن لدى أيّ منهم حماسة شديدة لنشر معتقداتهم الجديدة ، ومع ذلك فأنهم لم يكتموا