مولانا محمد علي ( تعريب : منير بعلبكي )
25
حياة محمد ورسالته
الثالث وجبت إعادة الاستقسام . * واستقسم امرؤ القيس ثلاث مرات ، فخرج السهم الثالث فيها جميعا . عندئذ استبد الغيظ به فقذف بالسهم في وجه الصنم قائلا : « أيها الوغد ، لو كان أبوك هو الذي صرع لما منعتني من الاثّئار له . » على هذه الحال من الكفر وعبادة الأوثان كانت بلاد العرب . فإذا جئنا إلى حياة الجاهليين الاجتماعية لم نجدها خيرا من ذلك . ومن هذه الناحية أيضا ، كانوا على جهل مطبق بألفباء المبادئ الاجتماعية . كان أسلوب حياتهم يجعل نشوء أيما فضيلة اجتماعية امرا متعذرا . فقد استغرقت الثارات المهلكة انتباههم كله . والحياة المستقرة المسالمة ، التي لا غنية عنها لتطوير المناقب الاجتماعية كانت مجهولة عندهم . وكان الذي يشغل أفكارهم ، كل لحظة ، هو المنازعات التي تنشب في أيما وقت بينهم وبين بعض القبائل الأخرى . لقد عاشوا حياة مترحلة ، متنقلين مع أنعامهم من مكان إلى مكان . وكانوا يضربون خيامهم المصنوعة من وبر الجمال حيثما وجدوا ماء يشربونه ، وكلأ تغتذي به أنعامهم . ولم يستقر منهم في قرى صغيرة غير قلة جدّ ضئيلة ، أما الذين استقروا في مدن بعينها فكانوا أقلّ من ذلك أيضا . فكيف يدخل في باب الامكان ، وتلك هي ظروفهم وأحوالهم ، أن تؤول إليهم
--> ( * ) كان العرب في الجاهلية يستقسمون عند أصنامهم بالأزلام . والزلم هو القدح الذي لا ريش عليه ، والأزلام كانت لقريش ، وكان مكتوبا عليها أمر ونهي وافعل ولا تفعل ، وقد زلمت وسميت ووضعت في الكعبة يقوم بها سدنة البيت فإذا أراد رجل سفرا أو نكاحا أتى السادن فقال أخرج لي زلما فيخرجه فإذا خرج قدح الامر مضى على ما عزم عليه ، وان خرج قدح النهي قعد عما أراده . وربما كان مع الرجل زلمان وضعهما في قرابة فإذا أراد الاستقسام اخرج أحدهما . ومعنى الاستقسام بها ان يطلب الانسان ما قسم له من جهتها . وكان في الكعبة صنم يمثل إبراهيم وإسماعيل وبأيديهما الأزلام يستقسمان بها . - راجع محاضرات تاريخ الأمم الاسلامية للشيخ محمد الخضري ، ج 1 ص 85 . ( المعرب )