مولانا محمد علي ( تعريب : منير بعلبكي )
21
حياة محمد ورسالته
غالبة حتى في تلك الأيام . ويروي دوزي Dozy عن الخليفة علي قوله في حقّ تغلب ، وهي قبيلة نصرانية ، « إن كل ما اقتبسته عن تلك الكنيسة هو معاقرة الخمر » . وبكلمة مختصرة ، فأن النصرانية - وهي آخر ديانات العالم المنزلة - كانت [ في ذلك الحين ] في حكم المفقودة . كانت قد فقدت كل قدرتها الدافعة التي تمكّنها من إحداث إصلاح أخلاقي . وإلى هذا ، فأن الدّرك الذي تردّى فيه المجتمع الانساني كله ، في طول العالم وعرضه ، ليقيم الدليل على صحة التوكيد القرآني . * ولكن كيف كانت حال بلاد العرب نفسها ؟ صحيح ان الشعر العربي كان في ذروة مجده ، وان الشعر الجاهلي يتكشّف عن درجة رفيعة من المقدرة والبراعة . وصحيح أيضا ان الكتابة لم تكن مجهولة عند العرب ، ولكنهم نادرا ما أفادوا منها أو سخّروها لأيما غرض نافع . وحتى شعرهم نفسه لم يدوّن تدوينا . والواقع ان قصائد العصر الجاهلي كلها تحدّرت الينا من طريق الرواية الشفهية ، ما عدا القصائد المعروفة ب « المعلقات » التي دوّنت على ورق ، وعلّقت على جدران الكعبة . وفيما يتصل بكون العرب قد طوّروا فن الشعر بحسبنا ان نقول إن مجرد الشعر ، بما هو شعر ، لا يقدّم لنا محكّا ثابتا للمنزلة التي بلغها الشعب في سلّم الحضارة . فالولوع بالشعر ملاحظ في جميع المجتمعات تقريبا ، بالغا ما بلغ إمعانها في الفجاجة والبدائية . وتعليل ذلك ليس بالأمر العسير . فالأمة في مثل هذه المرحلة تنعم بقلة قليلة من الأشياء التي تثير شوقها - وهي أشياء لا تتضاعف إلا بنموّ الحضارة واستبحارها ، ومن هنا فأن عنايتها البالغة تنصبّ على الشكل الوحيد الذي في متناولها من أشكال الفن الجميل ، وليس ذلك الشكل غير الشعر . ولكن حتى الشعر العربي خلو من رحابة الرؤيا
--> ( * ) السورة 30 ، الآية 41 .