محمد حسين هيكل

93

حياة محمد ( ص )

يعدّه اللّه ليلقى عليه ما قدّر في الغيب من رسالته . ومع عظيم توجهه إلى هذه الناحية الروحية وشديد تعلقه بها ، لم يكن يريد لنفسه أن يكون من طراز الكهّان ، ولا أراد أن ينصب نفسه حكيما على نحو ما كان ورقة بن نوفل وأمثاله ؛ إنما كان يريد الحق لنفسه ، فكان لذلك كثير التفكير ، طويل التأمل ، قليل الإفضاء إلى غيره بما يجيش بنفسه من آثار تفكيره وتأمله . في غار حراء وقد كان من عادة العرب إذ ذاك أن ينقطع مفكروهم للعبادة زمنا في كل عام يقضونه بعيدا عن الناس في خلوة ، يتقربون إلى آلهتهم بالزهد والدعاء ، ويتوجهون إليها بقلوبهم يلتمسون عندها الخير والحكمة وكانوا يسمون هذا الانقطاع للعبادة التحنف والتحنث . وقد وجد محمد فيه خير ما يمكّنه من الإمعان فيما شغلت به نفسه من تفكير وتأمل ، كما وجد فيه طمأنينة نفسه وشفاء شغفه بالوحدة يتلمس أثناءها الوسيلة إلى ما لم يبرح شوقه يشتد إليه من نشدان المعرفة واستلهام ما في الكون من أسبابها . وكان بأعلى جبل حراء - على فرسخين من شمال مكة - غار هو خير ما يصلح للانقطاع والتحنث ، فكان يذهب إليه طول شهر رمضان من كل سنة يقيم به مكتفيا بالقليل من الزاد يحمل إليه ممعنا في التأمل والعبادة ، بعيدا عن ضجّة الناس وضوضاء الحياة ، ملتمسا الحق ، والحق وحده . ولقد كان يشتد به التأمل ابتغاء الحقيقة حتى لقد كان ينسى نفسه وينسى طعامه وينسى كل ما في الحياة ؛ لأن هذا الذي يرى في حياة الناس مما حوله ليس حقّا . وهناك كان يقلّب في صحف ذهنه كل ما وعى فيزداد عما يزاول الناس من ألوان الظن رغبة وأزورارا . التماس الحقيقة وهو لم يكن يطمع في أن يجد في قصص الأحبار وفي كتب الرهبان الحق الذي ينشد ، بل في هذا الكون المحيط به : في السماء ونجومها وقمرها وشمسها ، وفي الصحراء ساعات لهيبها المحرق تحت ضوء الشمس الباهرة اللألاء ، وساعات صفوها البديع إذ تكسوها أشعة القمر أو أضواء النجوم بلباسها الرّطب الندي ، وفي البحر وموجه ، وفي كل ما وراء ذلك مما يتصل بالوجود وتشمله وحدة الوجود . في هذا الكون كان يلتمس الحقيقة العليا ، وكان ابتغاء إدراكها يسمو بنفسه ساعات خلوته ليتّصل بهذا الكون وليخترق الحجب إلى مكنون سرّه . ولم يكن في حاجة إلى كثير من التأمل ليرى أن ما يباشر قومه من شؤون الحياة وما يتقرّبون به إلى آلهتهم ليس حقّا . فما هذه الأصنام التي لا تضرّ ولا تنفع ، ولا تخلق ولا ترزق ، ولا تدفع عن أحد غائلة شر يصيبه ! وهبل واللّات والعزّى ، وكل هذه الأنصاب والأصنام القائمة في جوف الكعبة أو حولها ، لم تخلق يوما ذبابة ولا جادت مكة بخير ! ولكن ! أين الحق إذا ؟ أين الحق في هذا الكون الفسيح بأرضه وسماواته ونجومه ؟ أهو في هذه الكواكب المضيئة التي تبعث إلى الناس النور والدّفء ، ومن عندها ينحدر ماء المطر ؛ فتكون للناس ، ولأهل الأرض كافة من خلائق ، حياة بالماء والنور والدفء ؟ كلا ! فما هذه الكواكب إلا أفلاك كالأرض سواء . أهو فيما وراء هذه الأفلاك من أثير لا حد ولا نهاية له ؟ ولكن ما الأثير ؟ وهذه الحياة التي نحيا اليوم فتنقضي غدا ، ما أصلها وما مصدرها ؟ ! أمصادفة تلك التي أوجدت الأرض وأوجدتنا عليها ؟ لكن للأرض وللحياة سنّنا ثابتة لا تبديل لها ولا يمكن أن تكون المصادفة أساسها . وما يأتي الناس من خير أو شر ، أفيأتونه طواعية واختيارا ، أم هو بعض سليقتهم فلا سلطان لاختيارهم عليه ؟ في هذه الأمور النفسية والروحية كان محمد يفكر أثناء انقطاعه وتعبده بغار حراء ، وكان يريد أن يرى الحق فيها وفي الحياة جميعا . وكان تفكيره يملأ نفسه وفؤاده وضميره وكل ما في وجوده ، ويشغله لذلك عن هذه الحياة وصبحها ومسائها . فإذا انقضى شهر