محمد حسين هيكل

90

حياة محمد ( ص )

به ؛ فنشره وأخذ الحجر فوضعه بيده فيه ، ثم قال : ليأخذ كبير كلّ قبيلة بطرف من أطراف هذا الثوب ؛ فحملوه جميعا إلى ما يحاذي موضع الحجر من البناء ، ثم تناوله محمد من الثوب ووضعه في موضعه ، وبذلك انحسم الخلاف وانفضّ الشرّ . وأتمّت قريش بناء الكعبة حتى جعلت ارتفاعها ثماني عشرة ذراعا ، ورفعوا بابها عن الأرض ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا . وجعلوا في داخلها ست دعائم في صفّين ، وجعلوا في ركنها الشامي من داخلها درجا يصعد به إلى سطحها . ووضع هبل في داخل الكعبة ، كما وضعت في داخلها النفائس التي تعرضت من قبل بنائها وسقفها لمطامع اللصوص . اختلف في سن محمد حين بناء الكعبة وحين حكمه بين قريش في أمر الحجر ، فقيل : كان ابن خمس وعشرين ، وقال ابن إسحاق : كان ابن خمس وثلاثين . وسواء أصبحت الأولى أم الآخرى من هاتين الروايتين فإن إسراع قريش إلى الرضا بحكمه أوّل ما دخل من باب الصفا ، وتصرفه هو في أخذ الحجر ووضعه على الثوب وأخذه من الثوب لوضعه مكانه من جدار الكعبة ، يدلّ على ما كان له من مكانة سامية في نفوس أهل مكة ومن تقدير جمّ لما عرف عنه من سمّو النفس ونزاهة القصد . انحلال السلطة في مكة وأثره وهذا الخلاف بين القبائل ، وهذا التحالف بين لعقة الدم ، وهذا الاحتكام لأوّل مقبل من باب الصفا ، يدلّ على أن السلطة في مكة كانت انحلّت ، فلم يبق لرجل منها ما كان لقصيّ ولا لهاشم ولا لعبد المطلب من سلطان . ولقد كان لتنازع بني هاشم وبني أميّة السلطان بعد وفاة عبد المطلب أثره في ذلك لا ريب . وكان الانحلال في السلطة جديرا بأن يجرّ على مكة الأذى ، لولا ما كان لبيتها العتيق في نفوس العرب جميعا من تقديس . وأدّى انحلال السلطان إلى نتيجته الطبيعية ؛ أدّى إلى مزيد من حرية الناس في التفكير والجهر بالرأي ، وإلى إقدام اليهود والنصارى ، ممن كانوا يخافون صاحب السلطان ، على تعيير العرب عبادة الأوثان . وانتهى ذلك بكثير من أهل مكة ومن القرشيين أنفسهم إلى أن زال من نفوسهم تقديس الأصنام ، وإن ظلّ أمجاد مكة وسادتها يظهرون لها التقديس والعبادة . ولهؤلاء من العذر ما للذين يرون في الدين القائم وسيلة من وسائل ضبط النظام وعدم تبلبل الأفكار ، وفي عبادة الأصنام بالكعبة ما يحفظ على مكة مكانتها الدينية والتجارية . وقد ظلّت مكة بالفعل تنعم من وراء هذه المكانة بالرخاء واتصال التجارة ، لكن ذلك لم يغير من زوال تقديس الأصنام في نفوس المكيّين . بدء انحلال الوثنية ذكروا أن قريشا اجتمعت يوما بنخلة تحيي عيد العزّى ، فخلص منهم أربعة نجيّا ، هم زيد بن عمرو ، وعثمان بن الحويرث ، وعبيد اللّه بن جحش وورقة بن نوفل ؛ فقال بعضهم لبعض : « تعلموا واللّه ما قومكم على شيء وإنهم لفي ضلال . فما حجر نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضرّ ولا ينفع ، ومن فوقه يجري دم النحور ! يا قوم التمسوا لكم دينا غير هذا الدين الذي أنتم عليه » . أمّا ورقة فدخل النّصرانية ، وقيل : إنه نقل إلى العربية بعض ما في الأناجيل . وأمّا عبيد اللّه بن جحش فظلّ فيما هو فيه من الالتباس حتى أسلم ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة ، وهناك دخل في النصرانية ومات عليها ، وأقامت امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان على الإسلام حتى صارت من أزواج النبيّ أمهات المؤمنين . وأمّا زيد بن عمرو ففر من وجه زوجه ومن عمّه الخطاب ، وطوّف في الشام وفي العراق ثم عاد ولم يدخل في يهودية ولا نصرانية ، وفارق دين قومه واعتزل الأوثان ، وكان يقول وهو مستند إلى الكعبة : « اللهم لو أني أعلم أيّ الوجوه أحبّ إليك لعبدتك به ، ولكني