محمد حسين هيكل
81
حياة محمد ( ص )
قد وقع وسنّه سنتان ونصف سنة ، ورجعت حليمة وزوجها إذ ذاك به إلى أمه ، لكان في الروايتين تناقض غير مقبول . ولذلك يرى بعض الكتّاب أنه عاد مع حليمة مرة ثالثة . ولا يرضى المستشرق سير وليم موير أن يشير إلى قصة الرجلين في ثيابهما البيضاء ويذكر أنه إن كانت حليمة وزوجها قد نبها لشيء أصاب الطفل فلعله نوبة عصبية أصابته ، ولم يكن لها أن تؤذي صحته لحسن تكوينه . ولعل آخرين يقولون : إنه لم يكن في حاجة إلى من يشقّ بطنه أو صدره ما دام اللّه قد أعده من يوم خلقه لتلقي رسالته . ويرى در منجم أن هذه القصة لا تستند إلى شيء غير ما يفهم من ظاهر الآيات : ( أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ . الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ) « 1 » وأن ما يشير القرآن إليه إنما هو عمل روحيّ بحت ، والغاية منه تطهير هذا القلب وتنظيفه ليتلقى الرسالة القدسية خالصا ويؤدّيها مخلصا تمام الإخلاص محتملا عبء الرسالة المضني . وإنما يدعو المستشرقين ويدعو المفكرين من المسلمين إلى هذا الموقف من ذلك الحديث أن حياة محمد كانت كلها إنسانية سامية ، وأنه لم يلجأ في إثبات رسالته إلى ما لجأ إليه من سبقه من أصحاب الخوارق . وهم في هذا يجدون من المؤرخين العرب والمسلمين سندا حين ينكرون من حياة النبي العربيّ كل ما لا يدخل في معروف العقل ، ويرون ما ورد من ذلك غير متفق مع ما دعا القرآن إليه من النظر في خلق اللّه ، وأن سنّة اللّه لن تجد لها تبديلا ، غير متفق مع تعبير القرآن للمشركين أنهم لا يفقهون أن ليست لهم قلوب يعقلون بها . محمد في البادية وأقام محمد في بني سعد إلى الخامسة من عمره ينهل من جو الصحراء الطلق روح الحرّية والاستقلال النفسيّ ، ويتعلّم من هذه القبيلة لغة العرب مصفّاة أحسن التصفية ، حتى لقد كان يقول من بعد لأصحابه : « أنا أعربكم ، أنا قرشيّ واسترضعت في بني سعد بن بكر » . وتركت هذه السنوات الخمس في نفسه أجمل الأثر وأبقاه ، كما بقيت حليمة وبقي أهلها موضع محبّته وإكرامه طوال حياته . أصابت الناس سنة « 2 » بعد زواج محمد من خديجة ؛ فجاءته حليمة فعادت من عنده ومعها من مال خديجة بعير يحمل الماء وأربعون رأسا من الغنم . وكانت كلما أقبلت عليه مدّ لها طرف ردائه لتجلس عليه سيما الاحترام . وكانت الشيماء ابنتها بين من أسر مع بني هوازن بعد حصار الطائف ، فلما جيء بها إلى محمد عرفها وأكرمها وردّها إلى أهلها كما رغبت . في كفالة جده عبد المطلب وعاد إلى أمّه بعد هذه السنوات الخمس . ويقال : إن حليمة التمسته وهي مقبلة به على أهله فلم تجده ؛ فأتت عبد المطلب فأخبرته أنه ضلّ منها بأعلى مكة . فبعث من يبحث عنه حتى ردّه عليه ورقة بن نوفل فيما يروون . وكفل عبد المطّلب حفيده ، وأغدق عليه ، كل حبّه وأسبغ عليه جمّ رعايته . كان يوضع لهذا الشيخ ، سيد قريش وسيد مكة كلها ، فراش في ظل الكعبة ، فكان بنوه يجلسون حول ذلك الفراش إجلالا لأبيهم ، فإذا جاء محمد أدناه عبد المطلب منه وأجلسه على الفراش معه وربت على ظهره ، وأبدى من آيات عطفه ما يمنع أعمام محمد من تأخيره إلى حيث يجلسون . اليتم وزاد في إعزاز الجدّ لحفيده أنّ آمنة خرجت بابنها إلى المدينة لتري الغلام فيها أخوال جدّه من بني النجّار ، وأخذت معها أمّ أيمن الجارية التي خلّفها عبد اللّه من بعده . فلما كانوا بها أرت الغلام البيت الذي مات أبوه فيه
--> ( 1 ) سورة الإنشراح الآيات من 1 إلى 3 . ( 2 ) السنة : هنا الجدب .