محمد حسين هيكل
79
حياة محمد ( ص )
وترك عبد اللّه من بعده خمسة من الإبل وقطيعا من الغنم وجارية هي أم أيمن حاضنة النبيّ من بعد . ربما لا تكون هذه الثروة مظهر ثراء وسعة ؛ لكنها كذلك لم تكن تدلّ على فقر ومتربة . ثم إن عبد اللّه كان في مقتبل عمره ، فكان قديرا على الكسب والعمل والبلوغ إلى السعة في المال ؛ وكان أبوه ما يزال حيّا فلم يؤل إليه شيء من ميراثه . مولد محمد ( سنة 570 م ) وتقدّمت بامنة أشهر الحمل حتى وضعت كما تضع كل أنثى . فلما تمّ لها الوضع بعثت إلى عبد المطلب عند الكعبة تخبره أنه ولد له غلام . وفاض بالشيخ السرور حين بلغه الخبر ، وذكر ابنه عبد اللّه وقلبه مفعم بالغبطة لخلفه ، وأسرع إلى زوج ابنه وأخذ طفلها بين يديه ، وسار حتى دخل الكعبة وسمّاه محمدا . وكان هذا الاسم غير متداول بين العرب ، لكنه كان معروفا . وردّ الجدّ الصبيّ إلى أمه وجعل وإياها ينتظر المراضع من بني سعد لتدفع الأم بوليدها إلى إحداهن ، على عادة أشراف العرب من أهل مكة . وقد اختلف المؤرخون في العام الذي ولد محمد فيه ؛ فأكثرهم على أنه عام الفيل ( 570 ميلادية ) . ويقول ابن عبّاس : إنه ولد يوم الفيل . ويقول آخرون انه ولد قبل الفيل بخمس عشرة سنة : ويذهب غير هؤلاء إلى أنه ولد بعد الفيل بأيام أو بأشهر أو بسنين ، يقدّرها قوم بثلاثين سنة ؛ ويقدرها قوم بسبعين . واختلف المؤرخون كذلك في الشهر الذي ولد فيه وإن كانت كثرتهم على أنه ولد في شهر ربيع الأول . وقيل : ولد في المحرّم . وقيل ولد في صفر وبعضهم يرجح رجبا ، على حين يرجح آخرون شهر رمضان . كذلك اختلف في تاريخ اليوم من الشهر الذي - ولد فيه ؛ فقيل : ولد لليلتين خلتا من شهر ربيع الأوّل ، وقيل لثماني ليال ، وقيل لتسع . والجمهور على أنه ولد في الثاني عشر من شهر ربيع الأوّل ، وهو قول ابن إسحاق وغيره . وكذلك اختلف في الوقت الذي ولد فيه أنهارا كان أم ليلا . كما اختلف في مكان ولادته بمكة . ويرجّح كوسّان دبرسفال في كتابه عن العرب أن محمّدا ولد في أغسطس سنة 570 ، أي عام الفيل ، وأنه ولد بمكة بدار جدّه عبد المطلب . وفي سابع يوم لمولده أمر عبد المطلب بجزور فنحرت ، ودعا رجالا من قريش فحضروا وطعموا . فلما علموا منه أنه أسمى الطفل محمدا سألوه لم رغب عن أسماء آبائه ؟ فقال أردت أن يكون محمودا في السماء للّه وفي الأرض لخلقه . المراضع انتظرت آمنة مجيء المراضع من بني سعد لتدفع به إلى إحداهن كعادة أشراف العرب من أهل مكة . ولا تزال هذه العادة متبعة عند أشراف مكة ، إذ يبعثون أبناءهم إلى البادية في اليوم الثامن من مولدهم ثم لا يعودون إلى الحضر حتى يبلغوا الثامنة أو العاشرة . ومن قبائل البادية من لها في المراضع شهرة ، ومن بينها قبيلة بني سعد . وفي انتظار المراضع دفعت آمنة بالطفل إلى ثويبة جارية عمه أبي لهب ، فأرضعته زمنا ، كما أرضعته من بعد عمه حمزة ؛ فكانا أخوين في الرضاع . ومع أن ثويبة لم ترضعه إلا أيّاما فقد ظل يحفظ لها خير الودّ ويصلها ما عاشت ؛ ولما ماتت في السنة السابعة من هجرته إلى المدينة سألن عن ابنها الذي كان أخاه في الرضاع ليصله مكانها ، فعلم أنه مات قبلها .