محمد حسين هيكل

66

حياة محمد ( ص )

مكة قصصه ؛ ذلك أنّ إبراهيم لمّا رأى في المنام أنه يذبح ابنه وتحقق أن ذلك أمر ربّه ، قال لابنه ؛ يا بنيّ خذ الحبل والمدية وانطلق بنا إلى هذه الهضبة لنحتطب لأهلنا . وفعل الغلام وتبع والده . فتمثّل الشيطان رجلا . فجاء أمّ الغلام فقال لها : أتدرين أين يذهب إبراهيم بابنك ؟ قالت : ذهب به يحتطب لنا من هذا الشّعب . قال الشيطان : واللّه ما ذهب به إلّا ليذبحه . قالت الأمّ : كلا ؟ هو أشفق به وأشد حبّا له . قال الشيطان : إنه يزعم أن اللّه أمره بذلك ، فأجابت الأم : إن كان اللّه قد أمره بذلك فليطع أمر ربّه . فانصرف الشيطان خاسئا ، ثم لحق بالابن وهو يتبع أباه ، وألقى إبليس عليه ما ألقى على أمه ، وأجاب الابن بما أجابت هي به . فأقبل الشيطان على إبراهيم يذكر له أن المنام الذي رأى خدعة من الشيطان ليذبح ابنه ثم يندم ولات ساعة مندم ، فصرفه إبراهيم ولعنه . فنكص إبليس على عقبيه خزيان محنقا أن لم ينل من إبراهيم ولا من زوجه ولا من ابنه ما أراد أن ينال منهم . ثم إن إبراهيم أفضى إلى ابنه برؤياه وسأله رأيه في الأمر . قال يا أبت افعل ما تؤمر . ثم قال في رواية القصة الشعرية : يا أبتاه ! إذا أردت ذبحي فاشدد وثاقي لئلا يصيبك شيء من دمي فينقص أجري . وإن الموت لشديد ، ولا آمن أن أضطرب عنده إذا وجدت مسّه ، فاشحذ شفرتك حتى تجهز عليّ . فإذا أنت أضجعتني لتذبحني فاكببني على وجهي ولا تضجعني لجنبي ، فإني أخشى إن أنت نظرت إلى وجهي أن تدركك الرقّة فتحول بينك وبين أمر ربك فيّ . وإن رأيت أن تردّ قميصي إلى أمي فإنه عسى أن يكون أسلى لها عني فافعل . قال إبراهيم : نعم العون يا بنيّ أنت على أمر اللّه ! ثم إنه همّ بالتنفيذ ، فشد كتاف الغلام وتلّه للجبين ليقتله ، فنودي أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا ، وافتدى بكبش عظيم وجده إبراهيم على مقربة منه فذبحه وحرّقه . هذه قصة الذبح والفداء . وهي قصة الإسلام لأمر اللّه غاية الإسلام . والتسليم لقضائه كل التسليم . وشبّ إسحاق إلى جانب إسماعيل ، وتساوى عطف الأب على الاثنين ، فأغضب ذلك سارة أن رأت هذه التسوية بين ابنها وابن هاجر أمتها غير لائقة بها . وأقسمت لا تساكن هاجر ولا ابنها حين رأت إسماعيل يضرب أخاه . وأحسّ إبراهيم أن العيش لن يطيب وهاتان المرأتان في مكان واحد . عند ذلك ذهب بهاجر وبابنها ميمما الجنوب حتى وصل إلى الوادي الذي تقوم مكة اليوم به . وكان هذا الوادي ، كما قدّمنا ، مضرب خيام القوافل في الأوقات التي تفصل فيها القوافل من الشام إلى اليمن ، أو من اليمن إلى الشام ، ولكنه كان فيما خلا ذلك من أشد أوقات السنة خلاء أو يكاد . وترك إبراهيم إسماعيل وأمه وترك لهما بعض ما يتبلغان به . واتخذت هاجر عريشا أوت إليه مع ابنها . وعاد إبراهيم أدراجه من حيث أتى . فلما نفد الماء والزاد جعلت هاجر تجيل طرفها فيما حولها فلا ترى شيئا . فجعلت تهرول حتى نزلت الوادي تلتمس ماء ، وهي - فيما يقولان - لا تنفك في هرولتها بين الصّفا والمروة ، حتى إذا أتمت السعي سبعا عادت إلى ولدها وقد ملكها اليأس فألفته قد فحص الأرض بقدمه فنبع الماء من الأرض فارتوت وأروت إسماعيل معها . وحبست الماء عن السيل حتى لا يضيع في الرمال وأقام الغلام وأمّه ترد عليهم العرب أثناء رحلاتهم ، فينالان من الخير ما يكفيهم أسباب العيش إلى أن تمر بهم قوافل أخرى . استهوت زمزم وماؤها المتفجر بعض القبائل للمقام على مقربة منها . وجرهم أولى القبائل التي أقامت والتي يقول بعض الرواة إنها كانت هناك قبل أن تجيء هاجر وابنها ، على حين تذهب روايات أخرى إلى أنها لم تقم إلا بعد أن تفجّرت زمزم وجعلت العيش في هذا الوادي الأجرد مستطاعا . وشبّ إسماعيل وتزوج فتاة من جرهم ، وأقام وإياها مع الجرهميّين في هذا المكان الذي شيّد به البيت الحرام ، وقامت مكة بعد ذلك من حوله . ويذكرون أن إبراهيم استأذن سارة يوما في زيارة إسماعيل وأمّه فأذنت له فذهب . فلما سأل عن بيت