محمد حسين هيكل
61
حياة محمد ( ص )
من ثمّ نجمت في كثير من هذه القبائل خلال الكرم والشجاعة والنجدة وحماية الجار والعفو عند المقدرة ، وما إلى هذه من خلال تقوي في النفس كلما قاربت حياة البادية ، وتضعف وتضمحلّ فيها كلما أوغلت في أسباب الحضارة . ولذلك ولما قدّمنا من أسباب اقتصادية ، لم تطمع بزنطية ، ولا طمعت فارس ، فيما سوى اليمن من بلاد شبه الجزيرة التي لم تكن لتخضع ، لأنها تؤثر على الخضوع هجرة الوطن ، ولأن أفرادها وقبائلها لا يدينون بالطاعة لنظام قائم ولا لهيئة حاكمة تتسلّط عليهم . ولقد أثرت هذه الطبائع البدوية ، إلى حد كبير ، في البلاد القليلة الصغيرة التي نشأت في أنحاء شبه الجزيرة بسبب تجارة القوافل على نحو ما قدمناه ، والتي يأوي إليها التجّار يقطعون عندها متاعب رحلاتهم المضنية ، ويجدون بها هياكل عبادة يشكرون فيها الآلهة أن منّت عليهم بالنجاة من أخطار الفلوات ، وأن جلبت تجارتهم سالمة إلى حيث وصلوا . من هذه البلاد مكّة والطائف ويثرب ، وأشباهها من الواحات المنتثرة بين الجبال أو خلال رمال الصحراء . تأثرت هذه البلاد بطبائع البادية ؛ فكانت أقرب إلى البداوة منها إلى الحضارة في نظام قبائلها وطوائفها ، وفي أخلاق أهلها وعاداتهم وفي شدّة نفورهم من كل حدّ لحريتهم ، وإن أكرهتهم حياة الاستقرار على نوع من الحياة غير ما اعتاد أهل البادية . وسترى شيئا من تفصيل ذلك عند الكلام في الفصول الآتية عن مكة وعن يثرب . وثنية العرب وأسبابها هذه البيئة الطبيعية وما ترتب عليها من هذه الأحوال الخلقية والسياسية والاجتماعية كان لها أثر مشابه في الحال الدينية . فهل تأثرت اليمن ، بطبيعة اتصالها بمسيحية الروم ومجوسية الفرس ، بهذين الدينين وأثرت بهما في سائر بلاد شبه الجزيرة ؟ هذا ما يتبادر إلى الذهن ؛ وهو كذلك بنوع خاص في أمر المسيحية . فالمبشرون بدين عيسى كان لهم في ذلك العصر ما لهم اليوم من نشاط في الدعوة إلى دينهم والتبشير به . وفي طبيعة حياة البادية من تحريك المعاني الدينية في النفس ما ليس في حياة الحضر . في حياة البادية يتّصل الإنسان بالكون ويحس لا نهاية الوجود في مختلف صورها ، ويشعر بضرورة تنظيم ما بينه وبين الوجود في لا نهايته . أما رجل الحضر فمحجوب عن اللا نهاية بمشاغله ، محجوب عنها بحماية الجماعة إياه لقاء نزوله للجماعة عن جانب من حريته . وإذعانه لسلطان الحاكم كي ينال حمايته يقصر به عن الاتصال بما وراء الحاكم من القوى الطبيعية القوية الأثر في الحياة ، ويضعف لذلك عنده روح الاتصال بعناصر الطبيعة المحيطة به . ولا شيء من ذلك يحول بين رجل البادية والمعاني الدينية التي تحركها حياة البادية في النفس . ترى هل أفادت المسيحية الجمّة النشاط منذ عصورها الأولى من هذه الظروف كلها في سبيل ذيوعها وانتشارها ؟ ربما انتهى الأمر إلى ذلك لولا أمور أخرى حالت دونه ، وأبقت بلاد العرب كلها واليمن معها على الوثنية دين آبائها وأجدادها ، إلا قليلا كان من القبائل التي لانت للدعوة المسيحية . المسيحية واليهودية فقد كانت أقوى مظاهر الحضارة العالمية في ذلك العصر تحيط ، كما رأيت ، بحوضي البحر الأبيض ( بحر الرّوم ) والبحر الأحمر ( بحر القلزم ) . وكانت المسيحية واليهودية تتجاوران في تلك المحيط تجاورا إلا يكن فيه عداء ظاهر فليست فيه مودّة ظاهرة . وكان اليهود إلى يومئذ ، كما لا يزالون ، يذكرون ثورة عيسى بهم وخروجهم على دينهم ، فكانوا يعملون في الخفية ما استطاعوا لصدّ تيار المسيحية التي أخرجتهم من أرض المعاد ، والتي استظلت بلواء الروم في إمبراطوريتها الفسيحة المترامية الأطراف . وكان لليهود في بلاد العرب