محمد حسين هيكل
58
حياة محمد ( ص )
وليس يرجع ذلك إلى متاخمتها الخليج الفارسي أو المحيط الهندي أو البحر وكفى ، ولكنه يرجع قبل ذلك وأكثر منه إلى أنها لم تكن كسائر شبه الجزيرة صحراوية جرداء لا تلفت العالم ولا تجعل لدولة من صداقتها فائدة ولا لمستعمر فيها مطمعا ، بل كانت على الضد من ذلك موطن خصب في الأرض ومطر منتظم الفصول حضارة مستقرّة ذات مدائن عامرة ومعابد قوية على نضال الزمان . وكان سكّانها من بني حمير ذوي فطنة وذكاء وعلم هداهم إلى حسن الاستفادة من الأمطار حتى لا تتسرّب إلى البحر فوق الأرض المنحدرة إلى ناحيته ؛ ولذلك أقاموا سدّ مأرب ، فحوّلوا اتجاه المياه الطبيعي تحويلا تقتضيه حياة الحضارة والاستقرار ، فقد كانت الأمطار ، إلى أن أقيم هذا السدّ تنزل بجبال اليمن المرتفعة ، ثم تنحدر في أودية واقعة إلى شرق مدينة مأرب وكانت في انحدارها الأوّل تنزل بين جبلين يقومان عن جانب هذه الأودية يفصل بينهما أربعمائة متر تقريبا ؛ بلغت مأرب انفرج الوادي انفراجا تضيع المياه فيه كما تضيع في منطقة السدود بأعالي النيل . فلما هدى العلم والذكاء أهل اليمن إلى إقامة سدّ مأرب شيد بالحجر عند مضيق الوادي ، وجعلت له فتحات يمكن تصريف المياه منها وتوزيعها إلى حيث يشاء الناس لتروي الأرض وتزيدها خصبا وإثمارا . وإن ما كشف وما يزال يكشف عنه حتى اليوم من آثار هذه الحضارة الحميرية في اليمن ليدلّ على أنها بلغت في بعض العصور مكانا محمودا ، وأنها ثبتت لقسوة الزمان في عصور قسا على اليمن فيها الزمان . اليهودية والنصرانية في بلاد اليمن على أن هذه الحضارة وليدة الخصب والاستقرار جلبت على اليمن من الأذى ما منع الجدب منه أواسط شبه الجزيرة . فقد ظلّ ملك اليمن في بني حمير يتوارثونه حينا ويثب عليه حميريّ من الشعب حينا آخر حتى ملكهم ذي نواس الحميري . وكان ذو نواس هذا ميالا إلى دين موسى ، راغبا عن الوثنية التي تورّط فيها قومه ، وكان قد أخذ هذا الدين عن اليهود الذين هاجروا إلى اليمن وأقاموا بها . وذو نواس الحميري هذا هو ، فيما يذكر المؤرخون صاحب قصة أصحاب الأخدود التي نزل فيها قوله تعالى : ( قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ . النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ . إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ . وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ . وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) « 1 » . وخلاصة هذه القصة أن رجلا صالحا من أتباع عيسى يدعى قيميون ، كان قد هاجر من بلاد الروم واستقرّ بنجران ، فاتّبعه أهلها لما رأوا من صلاحه وظل عددهم يزداد حتى استفحل أمرهم . فلما نمى خبرهم إلى ذي نواس سار إلى نجران ، ودعا أهلها إلى الدخول في اليهودية أو يقتلوا . فلما أبوا شقّ لهم أخدود أوقد فيه النار ثم ألقي بهم فيها ، ومن لم يمت بالنار قتل بالسيف ومثل به . وقد هلك منهم ، على رواية كتب السيرة ، عشرون ألفا . ثم إن أحد هؤلاء النصارى فرّ من القتل ومن ذي نواس وسار حتى أتى قيصر الروم جوستنيان فاستنصره على ذي نواس . ولما كانت الروم بعيدة عن اليمن كتب القيصر إلى النجاشي ليأخذ بالثأر من ملك اليمن . ويومئذ ( في القرن السادس الميلادي ) كانت الحبشة والنجاشي على رأسها في ذروة مجدها تجري بأمرها على البحار تجارة واسعة ، ويمخر لها العباب أسطول قوي « 2 » يجعلها تتسلط بنفوذها على ما حاذاها
--> ( 1 ) سورة البروج الآيات من 4 إلى 8 . ( 2 ) هذه الرواية وردت في أكثر الكتب والمراجع . سجلتها دائرة المعارف البريطانية وأخذ بها مؤرخو كتاب Historian's History of the world ( واعتمدها در منجم في كتاب « حياة محمد » . على أن الطبري روى عن هشام بن محمد أنه لما ذهب اليمنى يستنجد النجاشي على ذي نواس وأنبأه بما فعل نصير اليهودية بالنصارى وأراه الإنجيل قد أحرقت النار بعضه ، قال له النجاشي : « الرجال عندي كثير وليست عندي سفن ، وأنا كاتب إلى قيصر في البعثة إلي سفن احمل فيها الرجال . فكتب إلى قيصر في ذلك وبعث إليه بالإنجيل المحرق ، فبعث إليه قيصر بسفن كثيرة » . ويضيف الطبري : « وأما هشام بن محمد فإنه زعم أن السفن لما قدمت على النجاشي من عند قيصر حمل جيشه فيها فخرجوا في ساحل المندب » . ( راجع الطبري طبعة المطبعة الحسينية جزء 2 ص 106 و 108 ) .