محمد حسين هيكل

53

حياة محمد ( ص )

الفصل الأوّل بلاد العرب قبل الإسلام مهد الحضارة الأولى - اليهودية والمسيحية - الفرق المسيحية وتناحرها - مجوسية فارس - شبه جزيرة العرب - طريقا القوافل فيها - اليمن وحضارتها - بقاء شبه الجزيرة على الوثنية . مهد الحضارة الإنسانية ما يزال البحث في تاريخ الحضارة الإنسانية وأين كان منشؤها متصلا إلى عصرنا الحاضر . وكان هذا البحث قد استقرّ زمانا طويلا عند القول بأن مصر كانت مهد هذه الحضارة منذ أكثر من ستة آلاف سنة مضت ، وأن ما قبل هذا الزمن يرجع إلى عصور ما قبل التاريخ ؛ ولذلك يتعذّر الكشف عنه بطريقة علمية صحيحة . أما اليوم فقد عاد علماء الآثار ينقبون في العراق وفي سوريا يريدون الوقوف على أصل الحضارة الآشورية والحضارة الفينيقية ، وتحقيق العصر الذي ترجع هاتان الحضارتان إليه : أهو سابق عصر الحضارة المصرية الفرعونية مؤثر فيها ، أم هو لاحق عصر هذه الحضارة متأثر بها . ومهما يسفر تنقيب علماء الآثار عنه ، في هذه الناحية من نواحي التاريخ ، فهو لا يغيّر شيئا من حقيقة لم يكشف التنقيب في آثار الصين والشرق الأقصى عما يخالفها ؛ هذه الحقيقة هي أن مهد حضارة الإنسان الأولى ، في مصر كان أو في فينيقيا أو في اشور ، كان متصلا بالبحر الأبيض المتوسط ؛ وأن مصر كانت أقوى المراكز التي أصدرت الحضارة الأولى إلى اليونان وإلى رومية ؛ وأن حضارة عالمنا ، في هذا العصر الذي نعيش فيه ، ما تزال وثيقة الصلة بتلك الحضارة الأولى ، وأن ما قد يكشف البحث عنه في الشرق الأقصى من تاريخ الحضارة في تلك الأقطار لم يكن له في عصر ما أثر بيّن في توجيه الحضارات الفرعونية والآشورية والإغريقية ، ولم يغير من اتجاه تلك الحضارات وتطوّرها إلى أن اتصلت بها حضارة الإسلام ، فأثرت فيها وتأثّرت بها وتفاعلت وإياها تفاعلا كانت الحضارة العالمية التي تخضع الإنسانية اليوم لسلطانها بعض أثره . حوضا بحري الروم والقلزم وقد ازدهرت تلك الحضارات ، التي انتشرت على شواطئ البحر الأبيض أو على مقربة منه في مصر وآشور واليونان منذ ألوف السنين ، ازدهارا ما يزال حتى اليوم موضع دهشة العالم وإعجابه . ازدهرت في العلم والصناعة والزراعة والتجارة وفي الحرب وفي كل نواحي النشاط الإنساني . على أن الأصل الذي كانت تصدر تلك الحضارات عنه وكانت تستمد قوّتها منه كان أصلا دينيّا دائما . حقا إن هذا الأصل اختلف ما بين ، التثليث